حط الحوار الوطني في اليمن رحاله، أخيراً، ونظم الرئيس عبد ربه منصور هادي يوم 25 يناير/كانون الثاني 2014 حفلاً بمناسبة اختتام جولات الحوار، حضرها عدد من الشخصيات الدولية . واتفقت التيارات السياسية اليمنية، على نظام حكم اتحادي متعدد الأقاليم، وصياغة دستور جديد للبلاد بمشاركة 565 شخصاً يمثلون الأطياف السياسية والاجتماعية . كما ستتكفل لجنة يرأسها الرئيس هادي بالحسم في عدد الأقاليم التي تشكل الدولة الاتحادية الجديدة التي ستحمل اسم جمهورية اليمن الاتحادية . وقبل إعلان نتائج الحوار الوطني، كان الحراك الجنوبي قد أصدر يوم 19-1-2014 ما أسماه البيان الأول لبدء الكفاح المسلح ضد الجيش اليمني في محافظات الجنوب من أجل إعادة إحياء جمهورية اليمن الجنوبي التي انتهت بالوحدة عام 1990 .
وفي الوقت نفسه، فإن حركة الحوثي أعلنت انسحابها من الحوار في اللحظات الأخيرة احتجاجاً على مقتل رئيس الوفد الحوثي أحمد شرف الدين على يد مسلحين مجهولين في صنعاء في 21-1-،2014 ولم تشارك هذه الحركة في الاحتفالات التي نظمها الرئيس عبد ربه منصور هادي .
وانطلاقاً من هذا الواقع، فإن إعلان نتيجة الحوار لا يعني مطلقاً السير حتى النهاية في تنفيذه . فالحوار في الأساس، لم يأتِ نتيجة قناعة تامة لدى الأطراف المتصارعة، بضرورة التوصل إلى اتفاق شامل فيما بينها حول القضايا الخلافية؛ بل تم بموجب اتفاقية الانتقال السياسي للسلطة التي وُقعت بين المؤتمر الشعبي الحاكم، وأحزاب اللقاء المشترك التي توسط فيها مجلس التعاون الخليجي، وأشرف عليها مجلس الأمن الدولي تحت مسمى "المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية" التي انتهت بتنحي الرئيس علي عبدالله صالح، لمصلحة نائبه عبد ربه منصور هادي في 25 فبراير/شباط 2012 .
وتنص الاتفاقية على أن تشرف الحكومة الانتقالية اليمنية المكونة من أعضاء في الحزب الحاكم السابق، وأحزاب المعارضة، على أن تضطلع هذه الحكومة بملفات: الحوار الوطني، وإعادة هيكلة الجيش اليمني، وصياغة دستور جديد لليمن، وعلى العدالة الانتقالية، وإصلاحات انتخابية تؤدي إلى انتخابات عامة في فبراير/شباط عام 2014 .
وحدد الرئيس عبد ربه منصور هادي موعد مؤتمر الحوار الذي أوجبته اتفاقية الانتقال السياسي السارية لمدة عامين؛ بحيث يبدأ يوم 18 مارس/آذار ،2013 وأمر بإقامة لجنتين للحوار الوطني من أجل التعامل مع مظلمتين رئيسيتين من مظالم الجنوب الأولى، هما الأراضي المتنازع عليها، وإقالة الأفراد الجنوبيين العاملين في الحكومة والأمن والقوات المسلحة بعد الحرب الأهلية ،1994 وكان من المقرر أن يستمر الحوار لمدة ستة أشهر، ينتهي بعدها إلى وضع ميثاق يفضي لإجراء انتخابات جديدة مطلع عام 2014 . ويتم بعدها وضع دستور جديد، يشكل الأساس الراسخ لليمن الجديد .
ومرت عشرة أشهر حتى أعلن نهاية الحوار . لكن موضوع تحويل اليمن من دولة مركزية إلى دولة فيدرالية قد يكون مقدمة لتقسيم هذا البلد العربي إلى دويلات متناحرة، فإذا افترضنا أن الفيدرالية قد تصلح بين كيانين هما، اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، باعتبار أن دولة الجنوب كانت موجودة في السابق، وإن إعطاء الجنوبيين الاستقلال الذاتي قد يكون كفيلاً بإنهاء حراكهم .
لكن كيف يمكن تطبيق الفيدرالية داخل اليمن الشمالي الذي ظل لأكثر من مئتي عام دولة مركزية واحدة، وهل يمكن أن تكون هذه الفيدرالية في الشمال مدخلاً لكي تنغلق كل طائفة هناك داخل إطار سياسي وقانوني خاص بها . وخصوصاً حركة الحوثي التي تقاتل الحكومة اليمنية منذ عام 2002 بهدف إعادة إحياء دولة الإمامة الزيدية؟
إن المشاريع المسبقة الموجودة لدى كل طرف في الأزمة اليمنية، خصوصاً الأطراف الفاعلة كالحزب الاشتراكي الجنوبي وحزب الإصلاح الإسلامي، وحركة الحوثيين، هي التي تبعث على القلق والخوف على مستقبل اليمن الواحد . فمن المؤكد أن هذه الأطراف لن ترضى بالفيدرالية كحل نهائي، بل ستعتبرها خطوة في الاتجاه الصحيح، أي نحو تحقيق الاستقلال الكامل . وفي العراق خير مثال، فالجهات التي طالبت بالفيدرالية هناك تعمل اليوم على الانفصال التام عن العراق ما قد يتسبب بنتائج كارثية على وحدة ومستقبل الشعب العراقي .
ومن هنا يمكن القول، إن الحوار الوطني اليمني قد خطا باليمن الواحد خطوة أولى نحو التقسيم . وإلى أن تتضح الصورة النهائية، سيبقى اليمن ساحة صراع مفتوح، وسوف يستمر مسلسل القتل والإرهاب الذي تقوم به التنظيمات المتطرفة التي هي الحاضر القوي على الساحة اليمنية وفي مختلف الأماكن .
[email protected]