مفتاح شعيب

أثارت المجزرة التي نتجت عن قذائف هاون أطلقها متشددون على متظاهرين سلميين في بنغازي ردود فعل محدودة، ربما لأن المتظاهرين الذين قتل منهم 12 شخصاً وأصيب العشرات قد خرجوا إلى ساحة «الكيش» وسط المدينة رفضاً لمقترح الأمم المتحدة بتشكيل حكومة وحدة وطنية تكون خليطاً بين الحكومتين المقيمتين في طبرق وطرابلس.

ليست المرة الأولى التي يقتل فيها مدنيون سلميون في ليبيا وبأبشع صور القمع من قبيل تفريق المتظاهرين بالقذائف والصواريخ، ولكن العملية الأخيرة التي اتهم بها تنظيم «داعش» الإرهابي جاءت لخلط الأوراق ولإحباط مشروع الأمم المتحدة الذي بدا شبه ملزم لجميع الأطراف بضرورة تمريره وتطبيقه في الأمر الواقع. وعلى الرغم من مسارعة البعثة الأممية إلى إدانة المجزرة وانفتاحها على الآراء المخالفة سلمياً على مقترحها، كان يجدر بها أن تدفع لفتح تحقيق شامل لمعرفة الجهات التي تقف خلف القصف ودم الضحايا. والإدانة أيضاً خرجت من الحكومتين المتصارعتين وبنفس اللهجة تقريباً. وإذا كانت بنغازي ساحة حرب بين الجيش الليبي المدعوم دولياً والميليشيات الإرهابية من «داعش» و«أنصار الشريعة» و«فجر ليبيا»، فإن مسؤولية إحدى هذه الجماعات عن المجزرة واردة بقوة، فهذه الجماعات منزعجة بقوة من الاتفاق الأممي، على غرار الأطراف الإقليمية والدولية التي تدعمها وتشجعها على العبث بأمن الليبيين وإدامة سنوات الفوضى.
منذ الإعلان عن الاتفاق بدأ تملل ليبي متعدد الأقطاب، وفي غمرة المشهد الضبابي والتقاطعات المتعددة لم يعد مفهوماً من يدعم المقترح الأممي ومن يعارضه، وبالإجمال يرفض البرلمان المعترف الاتفاق، وتفصيلاً يبدو أن نسبة المؤيدين أكبر من الغاضبين، والأمر ينطبق على برلمان طرابلس الموازي، وعلى الأرض هناك أطراف مسلحة متحمسة لحكومة الوحدة الوطنية تقابلها أطراف لا تقل قوة وتسليحاً ترفض وتعلن استعدادها للمواجهة، وعلى المستوى هناك أغلبية شعبية أرهقت تريد أي اتفاق يحفظ البلد ويبسط الأمن وينهض بالدولة، وهناك نسبة أخرى تشعر بالخوف وتخشى الانتقام، مثلما هناك من يرفض لأسباب لا علاقة لها بالسياسة، وإنما لارتباطها بأجندات دولية لا علاقة لها بمصلحة ليبيا.
في غمرة هذه الكتلة من الغموض حدثت مجزرة بنغازي، ومهما كانت خلفية من يقفون ضد الاتفاق ليس مسموحاً لأي طرف بأن يستبيح متظاهرين احتجوا سلماً ولم يحملوا السلاح. ولذلك بدت الجماعات الإرهابية وظاهرة «داعش» هي المستفيدة من الجريمة لأن مثل هذه العمليات تصنع لها البيئة النموذجية وتسمح لها بحرية الحركة والتمدد، وكلما تشابكت الجبهات وتعدد المتقاتلون عمل هؤلاء المتشددون على تأجيجها وتوسيع نطاقها. ولذلك فإن مسؤولية هذه الجماعات عن الجريمة تبدو مؤكدة، خصوصاً إذا تم التذكير بأن ميليشيات كثيرة مرتبطة بمعسكر «داعش» هددت قبل أيام بأنها ستعمل على مقاتلة «الكفرة» ممن سينضمون إلى حكومة الوحدة الوطنية التي يفترض أن تقوم بناء على الخطة الأممية.
قبل أن ترى الخطة النور ستظل المهددات قائمة وأكثرها على الجانب الأمني، أما شروط تحقيقها فلم تتوفر بعد، وفي الوقت الذي يفترض أن يميل الوضع الميداني إلى الهدنة، يتجه رأساً إلى التصعيد، لا سيما في بنغازي وحول طرابلس، وقد تنتهي المهلة ولا يتحقق شيء، وتجد الأمم المتحدة نفسها في مأزق وأمام خيارات جديدة.

[email protected]