العظماء لا تصنعهم الدعاية بل يجترحون مآثرهم الخالدة، وهم لا يولدون هكذا بل بدورهم في مسيرة التاريخ .
أحمد بن بيلا ، واحد من هؤلاء الذين سطع حضورهم في التاريخ الجزائري والعربي والإنساني المعاصر، وقد رحل بعد عمر مديد وكفاح طويل ومعاناة مريرة في درب مسيرته انتصاراً لقضايا شعبه وأمته وعالمنا الإنساني بأسره .
عظمة بن بله تبدأ من إيمانه الراسخ بأن الحرية كلٌ لا تتجزأ، وبأن الدفاع عنها واجب أخلاقي وقيمي ومسؤولية إنسانية، من هذه القاعدة كان انخراطه في الدفاع عن فرنسا في وجه جحافل النازية إبان الحرب العالمية الثانية، لكنه حينما عاد إلى وطنه بدأ وكوكبة من أبناء الشعب الجزائري مسيرة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي في ثورة زلزالية، عرفت بثورة المليون شهيد التي انتزعت للجزائر استقلالها وسيادتها، وللشعب حريته واستعادة هويته .
لم يكن بن بيلا زعيماً في فندق بل كان مناضلاً في الخندق وقائداً في الصفوف الأمامية، وفي هذا الموقع اعتقل أول مرة وسجن سنتين وبعد فراره كان اختطافه في السماء في واحدة من القرصنات الإجرامية الاستعمارية ليبقى في غياهب السجون، وإثر انتصار الثورة خرج من زنازينها الموحشة إلى رئاسة الجزائر الجديدة بإرادة شعبية جارفة .
بن بيلا كان حاضناً لمشروع أمة في استكمال تحررها ووحدتها واستعادة حقوقها ودورها في المسيرة الإنسانية، لم يكن عروبياً متعصباً ومنغلقاً، بل مستلهماً الأفكار الإنسانية، وانحاز إلى الحق والعدل وجاهر بمعاداة الاستعمار والصهيونية والإذلال والاستغلال، وكانت قضيته إعادة بناء الجزائر تبدأ من الريف بنصرة قضايا الفقراء والمظلومين في وجه الحقراء الذين ارتبطوا بالاستعمار على حساب الجزائر وشعبها .
من عظمة بن بيلا أنه كان واحداً من الرموز العربية القليلة التي أيقظت إرادة العزة والكرامة وأعادت الاعتبار لإرادة هذه الأمة، والشهادة في هذا الأمر تأتي من معن بشور رئيس المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي الذي قال : حين استضفنا في المنتدى القومي العربي في لبنان صيف 1997 الرئيس أحمد بن بيلا وزوجته الراحلة السيدة زهرة وابنته مهدية قال لي الرئيس المجاهد أنا لم أشاهد استقبالاً شعبياً بهذه الحفاوة منذ استقلال الجزائر قبل 35 عاماً، وهو استقبال شارك فيه كل ألوان الطيف اللبناني السياسي والاجتماعي والروحي والجهوي، واضطر معه بن بيلا أن يمدد زيارته أسبوعاً كاملاً رغم أن البعض قد نصحه بعدم زيارة لبنان لأن هذه الزيارة ستخلق حساسيات بين اللبنانيين، فإذا باللبنانيين جميعاً يتوحدون رسمياً وشعبياً في استقبال بن بيلا الذي رأى فيه كثيرون رفيقاً لجمال عبدالناصر ومحركاً لذكريات اندفاعهم لنصرة الثورة الجزائرية التي هبّ الكثيرون من أبناء المشرق العربي للتطوع في صفوفها، أذكر منهم الرئيس السوري الراحل د . نور الدين الأتاسي ورئيس الوزراء الأسبق د/يوسف زعين ووزير خارجية سوريا السابق إبراهيم ماخوس الذين تطوعوا أطباء في الثورة الجزائرية لتحملهم أقدار نضالهم بعد سنوات إلى أعلى المراتب في بلادهم .
بن بيلا سيرة أخلاقية وقيمية وإنسانية ترفع من خلالها عن الصغائر أو السقوط في درك الأحقاد والضغائن، وهذا ما تجلى في فعله وموقفه من رفاقه الذين انقلبوا عليه، بن بيلا أعلى مصلحة الجزائر وكان رد الفعل أو الانتقام لديه ليس مستبعداً فحسب، بل ومرفوض وغير وارد .
مسيرة بن بيلا لم تكن كفاحية وطنية وسياسية لتحرير الجزائر وحسب بل كانت مسيرة تاريخية، والدال على هذه الحقيقة إعادة ميلاد الجزائر شامخة وراسخة والذي تحقق بقيادة بن بيلا في فترة زمنية قياسية انتقلت إثره الجزائر من تحت وطأة الاستعمار الفرنسي وشهدت أوضاعها تغيرات ناهضة استعاد من خلالها السواد الأعظم من الشعب حقوقاً كانت مصادرة وتخلص من مظالم كانت جائرة، خاصة في الريف الذي شهد مبكراً ما عرف بالتسيير الذاتي الذي وضع نهاية سياسية واجتماعية لوضع جائر على الفلاحين وارتباط الإقطاع بالاستعمار، وكان حضور الجزائر على مسرح الأحداث فاعلاً لانتصار القضايا العربية ولنصرة قضايا الشعوب المقهورة لتستعيد مكانتها تحت شمس الحرية من قبضة الاستعمار .
الإحاطة بمسيرة وسيرة بن بيلا المجاهد والقائد والرمز والإنسان مفتوحة على غير قراءة وستكون متواصلة مع تعاقب الأجيال الجزائرية لأن الدور التاريخي لبن بيلا ارتبط بمستقبل الجزائر .
أصدق ما يفي المناسبة، وهي أليمة، ما يمكن سماعه بالمشاعر وقراءته من لسان بن بيلا وهاكم إشارت من غزير ماقال: أنا أفتخر بأنني أحد مناضلي جبهة التحرير الوطني التي كانت تتويجاً للنضالات الجزائرية من الأمير عبدالقادر الجزائري، مروراً بأولاد سيدي الشيخ والمقراني والشيخ الحداد وبو معزة بوزيان والزعاطشة ومذبحة 8 مايو/ أيار 1945 في قالمة وسطيف وخراطة، وهي سلسلة نضالات وانتفاضات شعبية متكاملة نابعة من قيمنا العربية والإسلامية أنا أنطلق من هذه القيم مجتمعة .
باتزان أمام سؤال هل أنت علماني؟، أجاب بن بيلا إنه ليس علمانياً وليس من دعاة اللائكية وهي نتاج غربي محض وجاءت لتحل محل الكنيسة ونجم عن ذلك الفصل مابين الدين والدولة ومن يدعون إلى اللائكية، كما قال بن بيلا، إن من يريد أن يُلبس جلداً غريباً لجسد إسلامي إنما يريد تغريب مجتمعة ويبعده عن الحضارة الإسلامية الإطار الصحيح لأي منظور سياسي في الحكم، لكنه قال إنه يرفض أيضاً حكم الفقهاء وأنه ليس خمينياً ولا يلبس عباءة أي شخص، إنه مجرد مواطن جزائري ومناضل في حزب الشعب ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية ثم مجاهداً في أول نوفمبر/ تشرين الثاني (انطلاق الثورة الجزائرية) وأحد مناضلي جبهة التحرير الوطني .
رحل أحمد بن بيلا وبكته الجزائر بحزن أليم ليبدأ رحلة الخلود .
* كاتب وصحفي من اليمن