قالت الخارجية الأمريكية يوم الجمعة الماضي، تعقيباً على التظاهرات التي اجتاحت معظم مدن ومناطق المملكة الأردنية الهاشمية أن التظاهرات التي شهدها الأردن خلال الأيام الماضية، احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات في المملكة، والتي تخللتها أعمال عنف متفرقة، تعبر عن التعطش إلى التغيير على غرار ما شهدته دول عربية أخرى خلال الربيع العربي، من دون أن تذكر نوعية التغيير المطلوب، علماً أن بعض المجموعات التي سارت في التظاهرات طالبت، وفي سابقة نادرة من نوعها، بإسقاط الملك، حيث كان يعدّ هذا الأمر خطاً أحمر في أدبيات الحراك السياسي في الشارع الأردني، لكن زكي راشد نائب مرشد جماعة الأخوان أوضح الأمر بشكل جلي حين قال لوكالة فرانس برس في الأردن، الدعوات لإسقاط الملك تزايدت بسبب التلاعب بالأسعار ورفض تنفيذ مطالب الشعب . وليس بعيداً عن الموضوع الأردني، فقد كشف رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي (أبو اللطف) في وقت سابق لصحيفة عربية، عن وجود اقتراح بعودة الضفة الغربية إلى الأردن من خلال كونفيدرالية أو فيدرالية أردنية فلسطينية، من دون أن يكشف عن الجهة التي تقف وراء هذا الاقتراح . وكشفت مصادر فلسطينية لمجلة المدينة الإلكترونية عن خلافات حادة بين أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن أيد فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية للمنظمة، طروحات ولي العهد الأردني السابق حسن بن طلال، بعودة الضفة الغربية إلى الحكم الأردني .

ووجه أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبدربه نقداً لاذعاً لموقف القدومي، مؤكداً أن ما قاله رئيس الدائرة السياسية ما هو إلا ثرثرة سياسية ولا يعبّر عن رأي منظمة التحرير الفلسطينية . وردت الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية على عبد ربه بتأييدها المطلق لطروحات القدومي بشأن إعادة الضفة الغربية إلى الحكم الأردني . وكان الشارع الأردني والفلسطيني في المملكة الأردنية قد انشغل في وقت سابق من الشهر الماضي ببرقية أفرج عنها موقع ويكيليكس، تسجل لقاء بين مسؤولين في السفارة الأمريكية في عمّان وشخصيات من النخب الأردنية من أصل فلسطيني وحملت عنوان الصفقة الكبرى، وتتحدث عن تخلي الفلسطينيين عن طموحاتهم بالعودة مقابل اندماجهم في النظام السياسي الأردني، ووصفت السفارة الأمريكية برقية الصفقة الكبرى بأنها موضوع مشترك خرج من المناقشات مع ذوي الأصول الفلسطينية والاتصالات مع بعض المسؤولين الحكوميين (وإن لم يكن بالضرورة من الشرق أردنيين كمجموعة) .

وعودة إلى الاحتجاجات الصاخبة والساخنة في الأردن، فإننا نجدها تواكب ما يتعرض له قطاع غزة الفلسطيني من عدوان جوي شرس، بهدف إسكات الصواريخ التي انهمر بعضها على مستعمرات في القدس الشرقية، كما انهمر بعضها على مدينة تل أبيب ومناطق أخرى في فلسطين المحتلة في محاولة لتحقيق توازن الرعب وتحقيق الردع مع العدو الصهيوني، وهذا ما قد يؤدي إلى ترتيبات أمنية جديدة تتعلق بمستقبل القطاع والضفة الغربية، في ظل الجمود الذي سيطر على المفاوضات . ويأتي الدور المصري المتميز والحماسي والمناصر للفلسطينيين في قطاع غزة منسجماً مع التغيير الذي ينشده الشارع المصري في عودة مصر لتحتل موقعها الريادي في السياسة العربية ولا سيّما في الصراع العربي الإسرائيلي . وقال الرئيس المصري محمد مرسي إذا لم توقف إسرائيل عدوانها على قطاع غزة فإننا سنغضب، ولن تستطيع إسرائيل مواجهة غضب القيادة والشعب، وهو موقف لم تتخذ حكومة الرئيس حسني مبارك شبيهاً له رغم تعرّض قطاع غزة في أواخر العام 2008 لحرب تشبه حروب الإبادة، وهذا الموقف ينبع من الانسجام الأيديولوجي الذي يربط بين الحكومة المصرية الحالية وحركة حماس أو التنظيمات الجهادية الإسلامية، الأمر الذي يعني أن الأيام المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت التي قد تكون مصيرية بالنسبة إلى العلاقات المصرية الغزّية (قطاع غزة) .

الحراك الذي تتعرض له الأردن لا يقل سخونة في محتواه السياسي عن المعركة الدائرة في غزة، فالفلسطينيون في الأردن يشكلون ما بين 60 و65 من السكان (الأردنيون من أصل فلسطيني والفلسطينيون اللاجئون)، وهؤلاء كما تشرح وثيقة ويكيليكس لديهم انتماء مزدوج، للأردن وفلسطين، وتمثيلهم في البرلمان الأردني وفي مجلس الوزراء لا يتناسب مع كثافتهم السكانية، ولا مع الدور الاقتصادي الذي يلعبونه في الأردن، ولهذا، فإن الوثيقة، ومن خلال الحوار الذي تم في السفارة الأمريكية في عمّان، تفترض أنه لو تم تغيير مهم في النظام الأردني، فإنه سينعكس على (استقرار) الفلسطينيين في الأردن، وبالتالي سيتم حل مشكلة حق العودة، وتقترح ضمن هذه التغييرات أن يتحول النظام إلى ملكية دستورية، أي نزع السلطات من الملك وتوزيعها على الأردنيين الفلسطينيين والشرق أردنيين، وهنا نستدعي تصريح الخارجية الأمريكية الذي بدأنا به مقالتنا بشأن التعطّش إلى التغيير في الأردن، وهي كلمة وراءها ما وراءها من تأويلات ومعانٍ .

وعودة إلى الموقف المصري الجريء الذي يقول بأنه لن يسمح لأهل غزة أن يعيشوا تحت السيطرة الإسرائيلية، فإنه يذكرنا في الزمن الذي كان فيه القطاع تحت السيطرة أو الإدارة المصرية قبل العام ،1967 وإذا ما قرأنا الواقع الذي كان قبل العدوان على قطاع غزة، فإننا نراه صامتاً جامداً لا روح فيه، ولا ينبئ عن أي إمكان للانفراج نحو أي حل سلمي أو ترتيبات أمنية يعوّل عليها بين حركة حماس وبين الإسرائيليين، وبما أن حركة حماس، من المنظور الأمريكي والإسرائيلي هي حركة إرهابية، ولا يمكن التعاون أو التعامل معها، وأن محمود عباس، أبو مازن، رئيس السلطة الفلسطينية، قد حزم أمره وسيتوجه إلى الأمم المتحدة في محاولة لنيل العضوية غير الكاملة لدولة فلسطين، وأن الرئيس الأمريكي أوباما عبّر عن موقف بلاده المعارض لعباس، ما يعني أن مسعى رئيس السلطة الفلسطينية سيفشل، فإنه لن يبقى أمام الضفة الغربية سوى الانضمام إلى الضفة الشرقية، ولن يبقى أمام قطاع غزة الذي قد يتعرض لإعادة احتلال من قبل الجيش الإسرائيلي، سوى الدخول في ترتيبات جديدة مع مصر، مذكرين بالأيديولوجيا التي تربط الطرفين .

هذا السيناريو ليس جديداً، بل يتم الهمس به في الكواليس، حتى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ونشير هنا إلى احتمال حصول فلسطين على عضو غير كامل في الأمم المتحدة، لتمهيد الطريق إلى فيدرالية بين الضفتين، خاصة أنهما كانتا متوحدتين قبل العام 1967 .

الحرب الحالية قد تقود إلى انفراج، لكن الأمر سيستغرق وقتاً بالتأكيد، وهذا لا يعني أننا نوافق على العدوان أو نبرره، ولكن التجارب التاريخية تقول إن لكل حرب عسكرية أهدافاً سياسية، والعكس أحياناً يكون صحيحاً .