لا شك أن القلق يسيطر على كل الناس في كل أنحاء العالم نتيجة تداعيات الحرب الأمريكية - الإسرائيلية -الإيرانية، هو ذلك القلق الفردي الذي يتركز على توفير الحاجات اليومية الضرورية التي يعتبرها البعض بسيطة، إلا أنها ليست كذلك، بل تصل إلى مرتبة الحاجات المصيرية، إذ لم تعد الكهرباء والبنزين والغاز، وتكنولوجيا الاتصال أيضاً، حاجات بسيطة، لأنها أصبحت حاجة ضرورية، لكن، وضمن الأولويات التي تُبقي الإنسان على قيد الحياة، يأتي الماء والطعام، وفي هذه الحالة، تهدد الحرب الإنسان في أماكن كثيرة بحرمانه من الماء والطعام. وفي هذه الحالة تتراجع أمور أخرى مثل التعليم والصحة والبيئة النظيفة والتطور والتنمية، مقابل توفير ما يبقي الإنسان على قيد الحياة.
هذه أحاسيس الإنسان العادي وهواجسه، وأزعم أنها ليست هواجس قادة الحروب الذين لا يفكرون إلا في انتصاراتهم وصورتهم أمام الشعب والتاريخ، ويمكن مقارنة المشهد بأمهات يذهب أبناؤهن إلى المعركة، حيث القلق والبكاء والتفكير المستمر، وبين القائد العسكري الذي ينظر إلى الجنود كأرقام يحققون له سمعته ومكانته، حتى أن القائد يستولي على لحظة الانتصار بينما الجنود الذين حققوا الانتصار يبقون في الظل. إنها لغة الحرب. وتنطبق على كل الحروب السابقة والمعاصرة.
ينبع القلق، وهو قلق حديث، لم يكن في العصور البدائية، من إقفال الممرات المائية العالمية، كمضيق هرمز على سبيل المثال، فيبدأ الإنسان بالتفكير في الطاقة، وتقول الأرقام إن 20 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات تمر يومياً عبر مضيق هرمز، أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي. كما أن المضيق ممر لنحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، وتُقدّر القيمة السنوية لتجارة الطاقة عبر المضيق بنحو 600 مليار دولار.
أما بالنسبة للمواد الغذائية والأسمدة، فتشير التقديرات إلى أن نحو 30 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية تعبر سنوياً عبر المضيق، إضافة إلى ثلث تجارة الأسمدة العالمية، ما يهدد الأمن الغذائي، ويؤدي إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، ويشمل المعدات الطبية والأدوية، ويؤثر على المخزون، وأكدت بعض النقابات الطبية في المنطقة، مثل لبنان، أن المخزون يكفي لثلاثة أشهر فقط في ظل الأزمة.
ولو واصلنا ذكر الأرقام لشعرنا بالأزمة تقترب من نحورنا كبشر ومستهلكين. وأنا هنا، لا أثير الرعب بين الناس. وحتى أتحدث عن بلدي الإمارات وأطمئن الناس، أقول إن الإمارات أصدرت قانوناً اتحادياً لسنة 2020 لتنظيم المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية، ويلزم القانون الجهات المختصة بمتابعة وتخزين المواد الأساسية مثل الحبوب والأرز والسكر والزيوت، بهدف ضمان توافر الغذاء حتى في حالات الأزمات أو الحروب. وأنشأت دولة الإمارات مخزوناً استراتيجياً من الأدوية بجميع أنواعها، بما يشمل الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ويُعتبر هذا المخزون خط الدفاع الأول ضد أي نقص محتمل في السوق.
وقد أثبتت المنظومة فاعليتها خلال الأزمات الأخيرة في المنطقة، حيث استمرت الإمدادات دون انقطاع. ووفقاً للأرقام الحديثة حتى شهر إبريل/ نيسان 2026، حيث أكد المسؤولون أن المخزون الاستراتيجي من الحبوب والأدوية في وضع آمن وكاف، وقام المراقبون ب568 جولة تفتيشية منذ بداية العام، لضمان تغطية السوق لفترات طويلة، وخلال شهر مارس/ آذار 2026 وحده تمت 86 جولة تفتيشية، مرتبطة بأنظمة رقمية لتحليل المخاطر وضمان الاستقرار، ويدرك المواطنون والمقيمون حقيقة هذه المعلومات، ولهذا لا يشعرون بأي أزمة، ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي، لكنني أتحدث عن مناطق أخرى اعتادت على تدفق البضائع والنفط والغاز والمواد الغذائية ولم تحسب يوماً أن مضيق هرمز سيتعرّض للإقفال.
وفي الواقع إن إيران، حين تقدم على إقفاله فإنها تعارض القوانين العالمية، فوفق القانون الدولي، لا يجوز لأي دولة إغلاق مضيق هرمز أو أي مضيق دولي بشكل كامل، إذ تضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 حق «المرور العابر» لجميع السفن والطائرات، حتى في أوقات النزاعات المسلحة. وأي محاولة لإغلاق المضيق تُعتبر انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً للأمن والسلم العالمي، وتنص الاتفاقية على أنه لا يجوز تعطيله أو تقييده حتى في أوقات التوتر أو النزاعات، وإغلاق المضيق يُعتبر عملاً عدائياً قد يرقى إلى مستوى «إعلان حرب اقتصادية» ضد المجتمع الدولي، والإغلاق يُعرّض الدولة المسؤولة لعقوبات دولية وربما تدخل عسكري لحماية حرية الملاحة.
العالم كلّه متضرّر من إقفال مضيق هرمز حتى إيران يمكن أن تتضرّر، إذ لن تتمكن من تصدير جزء من نفطها، وسترتفع أسعار التأمين والنقل الداخلي، وستتراجع الاستثمارات الأجنبية، وستدفع الدول للبحث عن بديل للنفط الإيراني، إضافة إلى إمكانية تعرضها لحرب قاسية من تحالف دولي متضرر، سيقدم على فتح هذا الشريان العالمي بالقوة العسكرية.
نعتقد أن إيران تعلم هذا، لكنها تراهن على ردة فعل الدول المتضررة لتضغط باتجاه إنهاء الحرب وتحسين شروط التفاوض، لأن إيران في النهاية ستجلس إلى طاولة المفاوضات وإن طالت الحرب، والمتضرر الوحيد هم الناس العاديون.
قلق من المضيق
6 أبريل 2026 00:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 أبريل 00:01 2026
شارك