عبدالله السويجي

في أثناء الحروب، تكثر الشائعات والأخبار المضلّلة والأكاذيب، وتنكشف النفوس الضعيفة والحاقدة والكارهة، ويجدها البعض فرصة للتشفّي والشماتة، حتى في حالة الأداء الرائع للدولة في مواجهة الحرب، هناك فئة من الناس تكشف عن وجهها البشع، هذا الكلام عام ولا يخص أي مجتمع.
وفي حالة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تمارس الآن حقّها في الدفاع عن النفس في مواجهة العدوان الإيراني، فإن مجتمعها، ولله الحمد، حافظ على تماسكه وتآزره، والتف حول قيادته، ونحن هنا نتحدث عن المواطنين والمقيمين، حيث أظهر الجميع حساً عالياً بالمسؤولية وحب الإمارات.
وفي الحروب، يتّسم دور المثقف بالأهمّية القصوى، فهو صمّام أمان الجبهة الداخلية، تقع على عاتقه كشف الحقيقة والوقوف في وجه التضليل، فيفرّق بين الخبر والدعاية المغرضة، وينتظر ليستوعب الخطاب الرسمي ويتماهى معه تعزيزاً للوعي المجتمعي الداخلي، ويكتب خطاباً يساعد الآخرين على اتخاذ مواقف واعية، عن طريق إنتاج معرفة تساعد على فهم ما يجري، إذ ليس من المفترض أن يكون لكل الناس قدرة على التحليل، أو الاهتمام بالسياسة.
وعلى المثقّف ألا يكون حيادياً ويترك كل شيء للدولة، إذ عليه رصد وتوثيق التجارب الإنسانية، وإذا كان مبدعاً، شاعراً أو قاصاً أو كاتب خواطر أو فنّاناً تشكيلياً، عليه أن يكتب أو يرسم ذلك في يوميات ترصد الوجه المشرق للسلوكيات والأحداث في الجبهة الداخلية، وهو في ذلك يعزز ملامح الهوية الوطنية، ويسهم في كتابة التاريخ، بطريقة أو بأخرى. أما إذا كان إعلامياً، وهذه الشريحة تُصنّف ضمن المثقفين، فتكون مسؤوليته أكبر وأدقّ وأكثر حساسية، فهو المسموع والمقروء والمُشاهد، وهو الذي يكتسب كلامه، عند أناس كثيرين، مصداقية عالية، وهنا تكمن خطورة الإعلامي.
نقول هذا الكلام في زمن ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصال، ولو دخلنا إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي، سنجد هناك حرباً أخرى تدور بين الجهات المتحاربة على الأرض، وبين الآراء المختلفة، وبين أصحاب الشأن والمغرضين، والبعض يفتعل مشاكل وأخباراً وشائعات ويحاول تسويقها على أنها حقيقية. فكيف إذا كنا نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يكتب التحليلات ويصمم الصور وفق الأوامر، ويعطيك مادة دسمة توافق توجهاتك، من هنا يجب الحرص الزائد والانتباه والحذر، بحيث لا تنطلي على الجبهة الداخلية الأكاذيب.
ما أود قوله لا يختلف كثيراً عمّا سبق، وهو في السياق ذاته ولكن من منظور مختلف، وهذه المرة سأوجه كلامي للمثقفين في الإمارات، ومنهم الشعراء والكتاب والأكاديميون، وهذه الفئة، كما أسلفت، هي المسؤولة عن الجبهة الداخلية، لذلك، عليها أن تكون حكيمة في حواراتها في وسائل التواصل الاجتماعي، وعليها أن تكون جادة ودقيقة في منشوراتها، وتدرسها بعناية، من حيث اللغة والمحتوى والتوجّه، وتبتعد عن التعميم وهي تخاطب الآخر، فلا يجوز أن يستخدم أحدهم كلمة (العرب) وهو يوجه تهمة أو يفنّد قولاً أو يدافع عن فكرة، ويبتعد عن كلمة (الجهل)، وهو يصف الآخرين غير العارفين، وألا يستخدم رمزاً واضحاً جداً بحيث يُعرف المقصود، أي الابتعاد عن استخدام لهجة معينة وهو يتهكّم على الآخرين، والابتعاد عن الاستهزاء بشعب بأكمله.
لقد لاحظت في الأيام الماضية وقرأت منشورات لم تكن في المستوى المطلوب، ما جلب الاستهزاء لصاحبها أو صاحبتها، ولا تتفق مع القيمة العلمية والأكاديمية والأدبية التي يحملها صاحبها، لأن هذه المنشورات تتحدث في القشور وليس الجوهر، وبلغة سطحية.
إننا في دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي، ننتمي إلى العروبة، ولا يصح أن يتنطّح أحد فيقول إننا يجب أن نراجع انتماءنا، وباختصار، وفي هذا المقام، لا أدري كيف لمثقف يريد مراجعة انتمائه بسبب أفراد أو شريحة اختلفت معه في الموقف أو الرأي أو حتى ناصبته العداء، كأن يغادر أحدهم الإسلام لأنه اصطدم بآخر مسلم لم يتقيّد بالأخلاقيات، فالمبدأ أكبر من الأفراد، والانتماء العام هو الذي يبقى.
إن كنت في حرب، أو تتعرّض لعدوان، لا تطالب الآخرين بالوقوف إلى جانبك، دعهم يقرّرون بأنفسهم، ويتّخذون الموقف الذي يريدون، فإن أيّدوك، سيفعلون ذلك بقناعة ومحبة، وإن خالفوك فلا تدخل معهم في حوار لن يجدي نفعاً. أما إذا طالبت الآخرين في الوقوف مع قضيّتك، عليك أن تختار اللغة المناسبة، ولا تستخدم اللغة التي تمنّ فيها عليه لأنك وقفت إلى جانبه في الموقف الفلاني أو العلاني، ولا تذكر له مساعدتك له، لأن الإنسان الأصيل سيتخذ الموقف الذي ينمّ عن أخلاق عالية، أما الآخر، فلا تحتاج إليه، وقد قال الشاعر: وإن أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّداً.
إن دولة الإمارات العربية المتحدة، وصلت إلى مرحلة حققت فيها اكتفاءً ذاتياً في ميادين كثيرة، وهذا لا يعني أنها لم تعد في حاجة للآخرين، لا يوجد دولة إلا وتبحث عن الكفاءات وأصحاب الخبرة، فتفيد وتستفيد.
لقد اعتاد العالم كرم الإنسان الإماراتي، فلنستمر بكرم أخلاقنا وعطائنا قبل كل شيء.

[email protected]