تعليق المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي ومصير اتفاقية التجارة الحرة

05:59 صباحا
قراءة 4 دقائق

أخيراً كما توقعنا والذي كان لا بد أن يحدث منذ فترة قررت دول مجلس التعاون الخليجي تعليق المفاوضات الجارية مع الاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاقية للتجارة الحرة والتي امتدت لما يقارب العشرين عاماً، من دون التوصل إلى إتفاق حولها والتي تعتبر من أطول المفاوضات الاقتصادية في العالم . وقد قلنا منذ البداية إنها مجحفة لدول مجلس التعاون في شروطها، وخيراً فعلت دول مجلس التعاون الخليجي بتعليقها للمفاوضات واتخاذ هذا القرار الشجاع، لأن الاتحاد الأوروبي على الرغم من إعلانه عن أهمية توقيع اتفاقية تجارة حرة معها، إلا أنه أخذ يماطل كثيراً في هذه المفاوضات ويضع شروطاً مختلفة وعراقيل أمام دول المجلس، إذ كان يطالبها بتنازلات ومطالب كثيرة وبالرغم من ذلك استجابت لها . ولاحظنا أن الاتحاد الأوروبي في كل جولة جديدة يتقدم بمزيد من المطالب ويضع شروط جديدة مما اقنع دول المجلس بعدم جديته في المضي قدماً في توقيع الاتفاقية .

إن ما حدث خلال الجولات العديدة السابقة وما يحدث الآن، يتعارض مع ما تدعو إليه اجتماعات مسؤولي دول مجلس التعاون مع نظرائهم في الاتحاد الأوروبي مثل اجتماعات المجلس الوزاري للاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي التي تظهر إحراز تقدم في المفاوضات وبالتزام الطرفين بإنجاز هذه المفاوضات من دون تأخير والتزام الأطراف المعنية ببذل اقصى جهودها لإنجازها في أقرب مرحلة ممكنة، إلا أن ما نراه لا يعكس الوجه الحقيقي لذلك ورغبة الأطراف في إنهائها .

كان الكثير من المسؤولين الخليجيين يرى أن الاتفاقية سوف تفتح آفاقاً جديدة لدول المجلس تشمل الاستفادة من التجربة الأوروبية في مجالات متعددة، بالإضافة إلى فتح الأسواق أمام البضائع الخليجية، وإن كان الجانب الأوروبي سيستفيد بصورة أكبر من الجانب الخليجي علماً أن دول مجلس التعاون الخليجي تفتح أبوابها أصلاً أمام كافة منتجات دول الاتحاد الأوروبي وبرسوم جمركية بسيطة بل أغلبها تكون معفاة، لما تتبعه اقتصاديات هذه الدول من سياسات الأسواق الحرة، في الوقت الذي يلجأ فيه الاتحاد الأوروبي عادة إلى وضع العقبات والعراقيل أمام المنتجات الخليجية وأن دول المجلس تسعى أساساً من خلال توقيت هذه الإتفاقية إلى الحد من القيود الأوروبية على الصادرات الخليجية، بالتالي كانوا يأملون أن تنتهي المفاوضات في القريب العاجل لتجني دول المجلس فوائدها ولكن خاب ظنهم ولم تجر الأمور كما كانوا يأملون .

وعندما تأتي اللحظة الحاسمة ويعلن عن قرب توقيع الاتفاقية يفاجأ الطرف الخليجي بتغير موقف الاتحاد الأوروبي مما يدل على عدم جدية الأخير والمماطلة، إذ تراجع عن التوقيع حيث تم الإعلان فجأة على هامش مؤتمر تمويل التنمية والذي عقد أخيراً في الدوحة، أن أمير قطر والرئيس الفرنسي سيوقعان الاتفاقية، لكن في اللحظة الأخيرة، تراجع الاتحاد الأوروبي، لذلك كان على دول مجلس التعاون اتخاذ قرار سريع بإعلان وقف التفاوض، وهذا هو القرار الصائب في رأيي .

تحدثت سابقاً في كثير من المناسبات والمقالات عن أهمية دراسة وتحليل الاتفاقية دراسة متأنية وضرورة اتخاذ موقف حازم من قبل دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن البعض كان يأمل أن يتم توقيع الاتفاقية في القريب العاجل وكان يأمل كثير من المسؤولين سواء من الجانب الخليجي أو الأوروبي أن يتم ذلك في نهاية ،2008 وتم الإعلان عن أن الخلافات الخاصة بالإتفاقية قد انتهت، ولكن على العكس من ذلك لم نر أي توقيع سواء في القريب العاجل أو القريب البعيد، بل كل هناك اعلان عن خلافات وتمديد للمفاوضات وتهديد بوقف المفاوضات، ويلاحظ أن هذه المفاوضات الطويلة لم تحقق قدراً كبيراً من النجاح على الرغم من إحراز تقدم في بعض القضايا وفشل في التغلب على الخلافات والعقبات المتعلقة ببعض القضايا الأخرى، ومع انتهاء كل جولة تفاوضية تثار العديد من التساؤلات حول مصير وجدوى اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي ومدى جاهزية دول مجلس التعاون الخليجي لتقبل الآثار الناجمة عنها وتقديم مزيد من التنازلات . ولكن اليوم سوف يشعر من كان يأمل بالأمس التوقيع على الاتفاقية بخيبة أمل كبيرة بسبب الإخفاق في التوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة، ولكن عزائي الوحيد لهؤلاء هو أن لا يحزنوا على هذا الإخفاق لأنه ليس اخفاقاً بل تحديد موقف واضح وقرار سليم تشكر عليه دول مجلس التعاون الخليجي بعدما قررت تعليق المفاوضات لأنه ظهرت أخيراً اتهامات لدول المجلس من قبل الاتحاد الأوروبي تتعلق بدعم الإرهاب وبانتهاك حقوق الإنسان ووضعت شروطاً جديدة وكلها قضايا سياسية لا دخل لها باتفاقية تجارة حرة وما هي إلا ضغوط لتقديم مزيد من التنازلات .

وعليه يجب أن تضع دول مجلس التعاون الخليجي حداً لهذه المفاوضات وأن لا تستمر إلى مالا نهاية فمن مصلحتها ان تتوقف وأن لا تستأنفها إلا بعد أن يقبل الطرف الأوروبي بالمقترحات القليلة والنهائية التي تقدمت بها، فطبيعة المفاوضات وطول مدتها لا تنسجم مع واقع العلاقة بين الطرفين وبعد هذه المدة الطويلة فإنه لا يمكن لدول المجلس ان تستمر في اضاعة المزيد من الأموال والوقت والجهد دون تحقيق الغاية المنشودة من هذه الاتفاقية، وان يذهب كل ما بذل حتى الآن سدى .

ونؤكد هنا مرة أخرى على أن لا تتهاون دول المجلس في هذا الموضوع وأن يكون موقفها صلباً وأن لا تتراجع عن هذا القرار حتى تتأكد من جدية الاتحاد الأوروبي وحتى يوافق على الصيغة النهائية للاتفاقية من دون شروط جديدة، لأنه وكما يقال فقد بلغ السيل الزبى .

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"