تغيير المسار في التجارة الحرة والاستثمار

05:25 صباحا
قراءة 4 دقائق

لقد مرت سنوات عديدة على القيام بمفاوضات لعقد اتفاقيات تحرير التجارة بين الدولة وبعض الدول أو بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبعض الدول والتجمعات الاقتصادية الأخرى ولعل من أشهر هذه المفاوضات مفاوضات دولة الإمارات مع الولايات المتحدة الأمريكية ومفاوضات دول مجلس التعاون الخليجي مع الاتحاد الأوروبي وقد استمرت هذه المفاوضات لسنوات طويلة وعقدت العديد من جولات المفاوضات تخللتها الكثير من المصاعب والخلافات مما أدى أخيراً إلى توقفها .

وبذلت الجهات المعنية في الدولة الكثير من الجهد والمال في سبيل التوصل لاتفاقيات للتجارة الحرة تستفيد من خلالها الدولة وتحقق مصالح ومكاسب للاقتصاد الوطني وعملت هذه الجهات على متابعة المفاوضات والحرص على إنهائها بسرعة وبعدد قليل من الجولات وكان هناك إصرار على توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع هذه الدول إلا أنه في النهاية وبعد بذل الجهود وتوفير كل الإمكانات المادية والفنية لم يتم التوقيع على أي من هذه الاتفاقيات وتوقفت حالياً جميع المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لأسباب عديدة تحدثنا عنها في مقالات سابقة .

لا نبالغ إذا قلنا بأن اتفاقيات التجارة الحرة خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي لا تحقق مكاسب وفوائد كبيرة تذكر للدولة أو لدول مجلس التعاون الخليجي وإن حققت أي مكاسب فستكون قليلة وفي قطاعات تجارية معينة مقارنة مع المكاسب التي ستحصل عليها الدول الأخرى، ولعل من أسباب توقف المفاوضات وجود بعض العقبات التي تضعها الدول الأخرى منها الزج بقضايا ومواضيع لا تمت بصلة بالتجارة الدولية أو باتفاقيات التجارة الحرة وتقف عقبة أمام إنهاء المفاوضات وتتسبب في إطالة أمدها مثل قضايا حقوق الإنسان وحقوق العمال ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى وجود بعض النقاط الفنية البحتة والمطالبات غير المعقولة التي تحول دون إكمال المفاوضات، كما أن هذه الدول لا تبدي المرونة اللازمة للوصول إلى التوافق المطلوب ولا تأخذ في الحسبان مستويات التنمية الاقتصادية في الجانبين .

لذلك نرى إن تغيير استراتيجية الدولة ودول مجلس التعاون الخليجي في مجال اتفاقيات التجارة الحرة وتحويل مسار الشراكة هي خطوة استراتيجية موفقة، فالأفضل أن نعقد شراكات استراتيجية جديدة ومع دول في نفس المستوى الاقتصادي فإبرام اتفاقيات تجارة حرة مع هذه الدول سيحقق مكاسب وفوائد واقعية فلا يمكن أن نهمل دول أخرى مهمة إلى جانب الشركاء الأمريكيين والأوروبيين، فهناك عمالقة اقتصاديون في آسيا تعتبر عملية تعزيز الشراكة معهم في مصلحتنا ومصلحة اقتصادنا مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا فهذه الدول تحقق اليوم نمواً سريعاً وتوفر فرصاً بالغة الأهمية لتحرير التجارة واقتصاداتها غنية بالفرص الاستثمارية الواعدة والمتكاملة مع القطاعات الخليجية .

وتعمل دول مجلس التعاون حالياً على التفاوض لتوقيع العديد من اتفاقيات التجارة الحرة مع بعض الدول والمجموعات الاقتصادية ككتلة اقتصادية والتي تهدف إلى تحرير الأسواق ورفع القيود الجمركية وغير الجمركية على التجارة مع هذه الدول والتجمعات مثل اليابان، كوريا الجنوبية، الهند، باكستان، الصين، تركيا، دول أمريكا الجنوبية ميركسور مجموعة دول الافتا، نيوزيلاندا، أستراليا، وتايلاند .

إن منطقة جنوب شرق آسيا هي في الواقع واحدة من أكثر المناطق نشاطاً من الناحية الاقتصادية وتعتبر سوقاً واعدة لمنتجاتنا واستثماراتنا فهناك 600 مليون مستهلك في هذه الدول فسنغافورة مثلاً يعد دخل الفرد فيها من أعلى المعدلات في آسيا والتي تحتل الصدارة في التنمية الاقتصادية والصناعية والمالية وإندونيسيا تمثل أكبر ديمقراطية إسلامية في العالم وهي الثالثة على مستوى آسيا من حيث عدد سكانها إلى تايلاند وماليزيا بالإضافة إلى الصين وكوريا الجنوبية وكل هذه الدول تتمتع بمميزات اقتصادية تجعلها من أهم الشركاء التجاريين في المنطقة .

إن بناء شراكة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول جنوب شرق آسيا وباقي الدول الآسيوية يمثل خطوة مهمة على طريق توثيق وتمتين العلاقات الخليجية الآسيوية وهي علاقات تمثل لدول الخليج أهمية بالغة لاعتباراتها الاقتصادية والاستراتيجية، إن من شأن تطوير العلاقات وتنميتها بين دول آسيا ودول مجلس التعاون وتوسيع نطاق التعاون بينهما في المجال الاقتصادي يتيح المزيد من الإمكانات لاستكشاف فرص التعاون في الجوانب التجارية والاستثمارية

إن الاتجاه نحو توقيع اتفاقيات متوازنة في التجارة الحرة هو مطلب كنا ننادي به دائماً، وان التحدي الذي يواجه الدولة ودول مجلس التعاون الآن هو تحويل مجرى واتجاه التجارة نحو دول لا تقل أهمية عن الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية والهدف المنشود من توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة سيتحقق من خلال إبرام اتفاقيات مع دول جنوب شرق آسيا ودول ومجموعات اقتصادية أخرى أشرنا إليها مما يؤدي إلى تحقيق التوازن في العلاقات التجارية .

لقد مرت المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بمنعطفات حادة وظهرت كثير من الخلافات حول قضايا قد لا تكون كما اشرنا لها علاقة بتحرير التجارة وواجهت المفاوضات عقبات كثيرة، ومن هذا المنطلق يجب علينا أن نوضح للجانب الآخر بأننا لسنا في حاجة لاتفاقيات لا تحقق مصالحنا ولا تعطينا إلا الجزء اليسير من الفوائد وأن هناك فرصاً أخرى متاحة لدول مجلس التعاون في مناطق أخرى من العالم حيث الاستقرار السياسي والفرص الاستثمارية الكبيرة ذات العوائد المجزية، ناهيك عن عامل مهم آخر هو عدم وجود ملفات شائكة مع هذه الدول مثل حقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل وغيرها من المسائل التي تثيرها الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية .

إن الابتعاد الخليجي التدريجي عن الاقتصادات الأوروبية والاقتصاد الأمريكي لصالح نظيرتها الآسيوية الواعدة شكل نقطة تحول في سياسة واستراتيجية دول مجلس التعاون الخليجية وتحولاً عن اقتصادات أوروبا والولايات المتحدة التي أصبحت تماطل كثيراً في المفاوضات وتفرض شروطاً كثيرة وتطالب بتقديم كثير من التنازلات ولا تمنح الكثير، بالإضافة إلى تدهور الاقتصاد الأمريكي والأوروبي في ظل الأزمة المالية الحالية والتي أثرت بشكل كبير في دول مجلس التعاون الخليجي وأصبح على دول الخليج العربي أن تعمل على إنقاذ اقتصادات الدول الأوروبية والولايات المتحدة وأصبحت الشراكة معها تشكل عبئاً عليها من خلال نشوء ظاهرة التضخم والارتباط بالدولار وإلحاق خسائر باقتصاد دول الخليج العربي، لذلك نعتق``د بأن التوجه نحو آسيا هو توجه سليم وفي المسار الصحيح .

* خبير في التجارة الدولية

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"