#187;مصر مش عزبة#171;، شعار طريف ظريف، فيه ما فيه، حتى ما لم يخطر على بال مؤلفيه، وما لم يَدُر في خلد مخالفيه . فمن المفاهيم ما يعزُب عن الأفهام . ومن الدقائق الخفية ما لا يسعف به الإلهام أهل الإبهام . بادئ ذي بدء، كلمة عزبة لا تخلو من علاقة بالفصحى، فالجذر اللغوي واضح جليّ وخصب . معاجمنا الكبرى متفقة على أن #187;ع ز ب#171; اشتق منه العرب العازب، ويعنون به الكلأ البعيد الذي لم ترْعه الحيوانات، ولم تطأه الحوافر والأخفاف والأظلاف . كما يحمل الجذر معنى البعد . وهو معنى لا يعزُب عن ذهن قارئ القرآن . وحتى لو أخذنا زاي العزبة على أنها ذال في النطق المصري، فسوف نجد في الفصحى أن العذبة (بفتح العين والذال والباء) شجرة، وأن العذْب كذلك . إضافة إلى الماء العذب، في المحصلة: شجر وماء وكلأ، بعيداً من المدينة، وهذه هي العزبة، ولا تنقصها إلا فيروز وأغنية #187;ع الضيعة#171; .
الشعار مفعم بالدعابة السياسية المليحة . فمصر ليست عزبة . ليست ملكية خاصة للإقطاع السياسي، لأيّ فئة كانت . وهي ليست عزبة ولا عزباء . إنها ولادة، بنت الشعب المصري #187;المستكفي#171; بجوامح المطامح، وسوابح القرائح . لغتها سليمة فصحى لا تجمع الشمع على شمعون، ولا تلحن فتنطق الإبريز بيريز . حسناء جمالها ناصر وطالعها سعد ووفاؤها لصلاح الدين، لا لمصالح الدنيا الدنيئة . وهي بليغة تعشق الإيجاز، فحين تخاطب صهيون تقول له: صه . على طريقة السينمائيين، الذين يعيدون صياغة الأفلام بطريقة جديدة Remake، تمنيت أن يعيد أهل شعار: #187;مصر مش عزبة#171;، صياغته بإسقاط نقطة الزاي: #187;مصر مش عربة#171;، فهي غير قابلة للجرّ ولا الانجرار ولا الانجراف ولا الانحراف ولا الانصراف إلى حيث سوء المصير . هي هبة النيل، لا هبة لمن يريد النيل منها .
يستطيع أهل الشعار الظرفاء أن يرفضوا اقتراحي، وأن يكتفوا بالصيغة التالية: #187;مصر مش عزّ#171;، فقط لا غير . وبهذا الاختصار يحققون رداً على الرجل، رجل الحديد، الذي رأى ذات يوم أنه لا مانع من بيع الآثار الذي قد يكون مربحاً تجارياً: بيع الأهرام، بعد تفتيتها في قوارير صغيرة . هذا أيضاً وفاء عظيم لكل طامع في عزة المحروسة . لزوم ما يلزم: تقرير المصير شيء، والتغرير بالمصير شيء آخر . موضوع ندوة جيدة في ميدان التحرير .