الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«نهاية التاريخ».. والحرب شبه العالمية

21 يونيو 2026 00:36 صباحًا | آخر تحديث: 21 يونيو 00:37 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عند انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال مصطلح المعسكر الشرقي، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، في تسعينيات القرن الماضي، نشر فرانسيس فوكو ياما، المفكر الأمريكي، مقالاً أثار ردود فعل لم يبلغها نصّ من قبل، على ضفتي الأطلسي، الأمر الذي أغراه ليصبح المقال كتاباً عالمياً بعنوان «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، حافلاً بالأفكار المثيرة للجدل حول مستقبل العلاقات الدولية. لم نشهد استطراداً قاطعاً بنهاية الحروب، لكنه جزم بأنّ البشرية شارفت المناخ الدولي القادر على تنظيم المجتمعات البشرية، بأحلام الحداثة والتحديث، وفق العنوان الساحر المضيء بفضائل: «الديمقراطية الليبرالية».
بالغ الكاتب في التفاؤل؟ ربما على الأرجح. لماذا؟لأن رعباً راح يخيّم عبر حروب نتعثر بدخانها وكوارثها بين أمريكا وإيران، في لبنان، كما في إسرائيل، ليتهادى القلق 60 يوماً أمامنا بانتظار النهايات السعيدة في لبنان، والمحيط العربي والعالمي.
ولأنّ ذاكرة البشرية تختزن رعباً من الصراعات والحروب والتحولات الكبرى، إذ إن كان عقيماً تصورنا بتوقف التاريخ أمام نموذج محدّد من الحروب، مهما بلغت شراستها وكوارثها. إنّ مرور أكثر من 3 عقود على تبشير فوكو ياما ب«نهاية التاريخ»، أعاد إحياءه بتوسع بؤر التوتر في العالم، خصوصاً مؤخراً بين أمريكا وإيران، ودول العالم الكبرى والصغرى، إلى مواجهات مسكونة بالرعب النووي، ما يدفعني طارحاً سؤال فوكو ياما مجدّداً حول نظريته ب«نهاية التاريخ».
كان المشهد العالمي وحبل الوساطات الأممية بين أمريكا وإيران مخيفاً بتفاعلاته، العالمية والعربية، وتردّداته الضخمة التي توحي بأن الديمقراطية الكبرى هي الداء والدواء، وهي نهاية التاريخ. الحروب لم تتوقف، والتنافس الدولي لم يهدأ، وما زالت الصراعات قلقاً بشرياً. إنّ البحث في نهايات التاريخ لم يؤكّد، للتوضيح، نهاية الصراعات بين الدول والبشر، بل غياب النماذج السياسية العالمية الجديدة القادرة على مقارعة، أو منافسة النموذج الليبرالي الملتصق بعنوان الأنظمة الليبرالية، مثل الولايات المتحدة، وغيرها بالطبع. من هذه الزاوية تحديداً، بدت الصور والمواقف الصراعية الأمريكية الإيرانية مرعبة، أقلقت الانتباه العالمي الساهر بالأخبار والأحداث اليومية. سعت إيران، ومن معها، جهاراً أو خفية، لإظهار صورتها الإقليمية لاعباً معانداً، وتمسّكت أمريكا ترامب بوصفها القوة العظمى، الأشدّ تأثيراً عسكرياً ودبلوماسياً، بالحروب وبالمفاوضات عبر بساط قواعد جديدة في النظام الدولي ستكون حقل أبحاث ودراسات جامعية قادمة.
بدت القوة، وحتى قوة الدبلوماسيات العظمى، هائلة وغامضة إعلاميّاً، إثباتاً للوجود وانتزاع الاعترافات بالمكانات الدولية لا الصراعات على الموارد فقط، على الرغم من أثقالها على البشرية. أفكّر متيقّناً هنا بولادة تفاهمات القوى العظمى تنتج نظاماً عالميّاً جديداً مصحّحاً، لا بديلاً لما نحن فيه.
تظهر المفارقة الجاذبة في الحروب أنّها دفنت أفكار فوكو ياما ب«نهاية التاريخ»، لكن ها هي قد أعادت إحياءها من جديد، إذ كلما اشتد الصراع بين الدول الكبرى، لن تنتهي الحروب حتى لو توصلت البشرية إلى هذه الأمنية، لكن التاريخ باقٍ مسكوناً بالسؤال عينه: أيمكن للأمم حظوة الاعتراف بعدم جرّ العالم مجدّداً إلى التلويح بابتكارات سلاح الفناء في ساحات الحروب؟
نحن أمام سؤال مصيري: هل تنتهي الحروب مع وجود قوى تعمل على دائماً على إشعال الحروب والتوترات، ولا يعنيها مصير السلام والأمم والشعوب، إنما ما يحقق اهدافها من خلال توسل القوة المفرطة، وتجاوز كل الأنظمة والقوانين التي تعاقد عليها العالم لتدبير شؤونه من خلال الحوار وحسن العلاقات؟
سيبقى الإنسان في الجواب، أسير غنى ثراه وثرواته، باحثاً أبدياً قلقاً بين العقل والرغبات الدولية، وعظمة الاعترافات بالقوة التي ترسّخ نظامه، وسياساته، وممثليه، وزعماءه أشدّ قوة، ومعنى، وكرامة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة