مع انحسار التوتر في مضيق هرمز، واستئناف حركة الملاحة تدريجياً، عقب اتفاق التهدئة، انشغل العالم - وبحق - بملفات الدبلوماسية، وإعادة فتح طرق التجارة واستقرار أسواق الطاقة. غير أن خلف هذا المشهد المطمئن، تبقى قصة أكثر هدوءاً وأقل ظهوراً، لكنها لا تقل خطورة: الأثر البيئي الذي خلّفته أسابيع من احتجاز السفن وتكدّسها في مياه الخليج. فهذا الإرث البيئي لم ينتهِ بتوقيع الاتفاق، بل ما زال حاضراً في تفاصيل النظام البحري الهش للمنطقة.
خلال ذروة الأزمة، تجاوز عدد ناقلات النفط العالقة في الخليج 85 ناقلة، بقي بعضها في مواقعها لأكثر من عشرة أيام. هذه السفن العملاقة، التي تزن مئات الآلاف من الأطنان، استمرت في استهلاك 20 إلى 40 طناً من الوقود يومياً، لتشغيل أنظمة التبريد والمولدات والمعدات الملاحية ، حتى وهي ثابتة. هذا الاستهلاك اليومي أنتج 3 إلى 5 أطنان من ثاني أوكسيد الكبريت (SO₂)، و4 إلى 7 أطنان من أكاسيد النيتروجين (NOx)، وأكثر من 100 طن من ثاني أوكسيد الكربون (CO₂). كما انبعثت جسيمات PM2.5 ومركّبات هيدروكربونية حلقية PAHs، المصنّفة عالمياً كملوثات خطرة، تؤثر في صحة الإنسان والكائنات البحرية.
وفي حوض شبه مغلق كالخليج العربي، حيث تتجدد المياه ببطء شديد، لا تتبدد هذه الانبعاثات بسهولة؛ بل تستقر فوق سطح البحر وتذوب تدريجياً في مياهه، مسببة تحمّضاً، وانخفاضاً في مستويات الأوكسجين، وازدهاراً للطحالب الضارة، وتراجعاً ملحوظاً في صحة الشعاب المرجانية ، وهي من أكثر النظم البيئية حساسية في المنطقة.
كما تسهم أكاسيد النيتروجين وثاني أوكسيد الكبريت في تكوّن الأمطار الحمضية، ما يسرّع تآكل البنى الساحلية، ويؤثر في جودة التربة والمياه.
ولا يقتصر الأثر البيئي على التلوث الكيميائي؛ فالسفن الثابتة تولّد ضوضاء منخفضة التردد تصل إلى 180 ديسيبل تحت الماء ، ما يعادل ضجيج محرك طائرة. هذا الاضطراب الصوتي المستمر يربك الدلافين التي تعتمد على الصدى في الصيد والتواصل، ويؤثر في الأطوم الحسّاس للضوضاء، ويغيّر سلوك الحيتان الحدباء المهاجرة عبر الخليج. كما تتأثر الأسماك، إذ تتعطل دوراتها التكاثرية وأنماط تغذيتها بسبب الاهتزازات المستمرة، وهو تهديد مباشر للمخزون السمكي الذي تعتمد عليه المجتمعات الساحلية.
وتُعد التسربات الصغيرة خطراً صامتاً آخر. فالسفن الراسية لفترات طويلة تطلق 2 إلى 6 لترات يومياً من الزيوت الخفيفة، ومواد التشحيم، ومياه التوازن الملوثة.
ومع مرور الوقت، تتشكل طبقة مزمنة من التلوث الدقيق يصعب رصدها أو معالجتها، لكنها تترك آثاراً طويلة الأمد في صحة البحر. وقد أدت مياه التوازن التي أفرغتها بعض السفن إلى إدخال كائنات دقيقة غير محلية، ما يهدد التوازن البيئي، ويزيد احتمال انتشار أنواع غازية تنافس الأنواع الأصلية.
ويمتد الأثر إلى السواحل الخليجية التي تعتمد على محطات التحلية لتوفير أكثر من 60% من مياه الشرب. فقد أدت زيادة الملوثات إلى انسداد المرشحات، وارتفاع تكاليف التشغيل، وزيادة مخاطر التلوث في المياه المعالجة. كما وصلت بقع نفطية صغيرة إلى شواطئ الإمارات وعُمان والبحرين، مؤثرة في السياحة والأنشطة البحرية، ومفاقمة الضغط على الثروة السمكية المتراجعة أصلاً. وتشير التقييمات البيئية إلى أن ارتفاع تركيز الجسيمات والملوثات النفطية قد يخفض إنتاجية المصايد بنسبة 10–20% خلال فترات الازدحام البحري الطويلة.
وعلى الرغم من خطورة هذه الآثار، فإنها نادراً ما تحظى بتغطية إعلامية، لأنها تتطور ببطء، بلا صور درامية، أو مشاهد عاجلة. تظهر نتائجها بعد أسابيع أو أشهر في نفوق الأسماك، وتراجع مخزون الروبيان، وتلوّث الشواطئ، وزيادة الضغط على محطات التحلية، وضعف الشعاب المرجانية. إنها أزمة بلا ضجيج، لكنها تترك أثراً ثقيلًا، في البحر والبيئة والاقتصاد.
واليوم، وعلى الرغم من عودة الهدوء، ما زال الخليج يدفع ثمناً بيئياً صامتاً لأزمة احتجاز السفن. ومن دون مراقبة مستمرة وتعاون إقليمي، قد يتحول هذا الإرث إلى تراجع طويل الأمد في التنوع البيولوجي، وتلوث ساحلي متكرر، وخسائر اقتصادية في السياحة والمصايد.
لهذا، أصبح من الضروري إدراج قضية التلوث الناتج عن احتجاز السفن وتكدّسها ضمن الأجندة البيئية الدولية، خصوصاً مع اقتراب مؤتمر COP17 في أرمينيا. فقد أثبتت الأزمة أن الأمن البحري مرتبط مباشرة بالأمن البيئي، والمائي، والغذائي، وأن حماية الممرات البحرية الحيوية تتطلب تعاوناً عالمياً.
وترى العديد من الدول والمنظمات البيئية أن إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال COP17 سيعزز الجهود الدولية لخفض انبعاثات قطاع الشحن، وتحسين آليات المراقبة البيئية، ووضع بروتوكولات مشتركة لإدارة احتجاز السفن والازدحام البحري. فحماية الخليج - وغيره من الممرات الحيوية - ليست مسؤولية إقليمية فحسب، بل واجب عالمي مشترك لضمان استدامة المحيطات ومواردها للأجيال القادمة.
لقد كان صمت البحر خلال الأزمة خادعاً؛ فآثاره ما زالت تتردّد، وتدعونا إلى التحرك قبل أن يتحول الضغط البيئي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه.
