من دون الدخول في تفاصيل ما يجري بالعراق بعد تأليف الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، يمكن الملاحظة بوضوح أن تغييرات وازنة تحصل، وعلى المستويات المختلفة، منها السياسية، ومنها الأمنية، ومنها المالية، وبعضها يتعلَّق بإعادة تنظيم العلاقة بين المركز في بغداد وإدارة إقليم كردستان في أربيل، ولهذه التغييرات تداعيات كبيرة على المستقبل، قد تكون أغلبيتها إيجابية، بصرف النظر عن الصعوبات التي تواجهها.
زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني إلى بغداد في الأيام الأخيرة من شهر مايو/أيار، كانت محطة مهمة في سياق التحولات الحاصلة، وقد التقى كبار المسؤولين العراقيين، وكان أبرز هذه اللقاءات مع رئيس الحكومة الجديدة علي الزيدي، ووفقاً لما أعلنه أحد المشاركين في الاجتماع من الوفد المرافق لبارزاني، فقد تمَّ التفاهُم على فتح صفحة جديدة من التعاون بين الحكومة المركزية والإقليم، تنطلق من مندرجات دستور عام 2005، خصوصاً لناحية اعتبار أمن الإقليم كجزء لا يتجزأ من أمن العرق، كذلك في القضايا المالية والنفطية.
الزيدي تعهد للبرزاني بمنع كل أشكال التعدي الأمني على الإقليم، وأكد الزيدي للوفد، أن الدولة وبغطاءٍ من المرجعيات الدينية عازمة على جمع السلاح، وحصر امتلاكه بالقوى النظامية التي تشرف عليها الحكومة.
تحتاج العلاقة بين الحكومة المركزية والإقليم الكردي إلى ترسيخ الثقة المتبادلة ووضع حلول للقضايا الخلافية في تفسير الدستور والقوانين ذات العلاقة بين الطرفين وخصوصاً في المسائل المتعلقة بإنتاج النفط وتصديره وتوزيع الحصص، إضافة إلى الميزانية العامة.
إن خطوات حلَّ ميليشيات الحشد الشعبي بدأت بالفعل، وقد أعلن السيد مقتدى الصدر حلّ «سرايا السلام»، وتبعه عدد كبير من قادة الفصائل، باستثناء فصيلين مرتبطين أكثر من غيرهم بالسياسة الإيرانية، لكن رئيس الحكومة العراقية أكد أن خطوة جمع السلاح ستشمل الجميع، وهو يحاول تذليل العقبات التي تواجه تنفيذ القرار، خصوصاً أن مبررات وجود هذه الفصائل التي انطلقت في عملها عام 2014 لمواجهة «داعش» وتمَّ التشريع لها قانوناً في عام 2016، انتفت، ومنظمة «داعش» الإرهابية قُضيَ عليها من خلال التحالف الدولي الذي أُنشئ لهذا الغرض، ومرجعية النجف التي أعطت الغطاء لعمل هذه الفصائل في السابق، دعت مؤخراً إلى ضرورة حصر امتلاك السلاح بمؤسسات الدولة، بعد أن ابتعد الخطر «الداعشي».
تدرك الحكومات العراقية المتعاقبة، ومن بينها حكومة الزيدي الجديدة أن التوصل إلى حلول لكل مشكلات العراق ليست هينة وتحتاج إلى جهد وصبر، ووضع الأطر والوسائل لتحقيقها، خصوصاً لجهة الفساد الذي استشرى في أوصال الدولة العراقية منذ الغزو الأمريكي، حيث تحول الفساد إلى ما يشبه حالة السرطان المستعصي على الشفاء، لذلك فإن المشكلة الأصعب التي تواجه حكومة الزيدي هي القضاء على هذا الوباء الذي شكَّل عامل اهتراء في كل مؤسسات الدولة وعرقل كل جهود التنمية، وحال دون كل الجهود لإصلاح العطب الذي أصاب البنى التحتية ومن بينها الكهرباء والماء.
في الحراك الاقتصادي والتجاري والنفطي الذي يجري في المنطقة بعد اندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز، ذهبت حكومة الزيدي إلى عقد تفاهمات مع حكومة إقليم كردستان لتسهيل مرور الصادرات والواردات عبر الممرات الأرضية الشمالية إلى تركيا.
المؤشرات على حصول تطورات إيجابية في العراق كبيرةٌ جداً، وإضافة إلى موضوع ضبط الانفلات الأمني، اجتهدت حكومة بغداد لتسوية الإشكالات القائمة مع الإدارة السورية الجديدة، وقد بدأت الصادرات النفطية تمرّ بالصهاريج من خلال الأراضي السورية إلى الأسواق الخارجية، كما حصل تفاهُم على تأهيل أنابيب النفط التي تربط بين كركوك العراقية وبانياس على الساحل السوري، وبين آبار الحلَّة إلى هذا الساحل أيضاً.
من جهة ثانية، فإن إعادة تكليف السفير الأمريكي توم براك في مهمة تنسيق سياسة بلاده اتجاه سوريا والعراق -وبعد انتهاء ولايته كسفير في أنقرة- يؤكد التوقعات بحصول خطوات جديدة ستنعكس على العراق، خصوصاً لناحية إكمال عملية جمع سلاح الميليشيات.
