تبذل دول الخليج جهوداً حثيثة لتعميم التوطين وإحلال المواطنين محل الوافدين في الوظائف العامة والخاصة، ولا تألو جهداً، ولا تدخر وسعاً في سبيل تحقيق ذلك لينعم أبناء الوطن بخيره الوفير ويرفلوا في نعمته، وتتطلع دول التعاون كافة وتهدف إلى تأمين حياة كريمة لمواطنيها، إلا أننا يجب أن نفرق بين "توطين الوظائف" و"خلق وظائف للتوطين"، وشتان ما بين الحالتين فبين الهدف والغاية تكمن الأهمية، ورغم توجه هذه الدول نحو تسكين المواطنين في القطاعات كافة وعلى رأسها قطاعات البنوك، والتأمين، والاتصالات وغيرها من القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، إلا أننا يجب ألا نضيع بين المصطلحين، فتوطين الوظائف يعني الاختيار القائم على الاحتياج المدروس، ومن ثم الانتخاب أي الاختيار بدقة لفرز أفضل العناصر، والتدريب لرفع الجانب المهاري والفني للمتقدمين، وتلقين الخبرات اللازمة للتسكين، أما المصطلح الثاني وظائف للتوطين فهو خلق وظيفة لمواطن ربما العمل ليس بحاجة إليها، وهنا تكمن الخطورة فلا الجهة التي وظفت استفادت، ولا من شغل الوظيفة أضاف شيئاً لوظيفته أو للناتج المحلي . . والأمر يعد برمته كالقنبلة الموقوتة التي تضر بالاقتصاد، وتنخر في عظامه أكثر مما تنفعه .
وأكثر ما يثير القلق أن بعض المؤسسات والهيئات في دول "التعاون" أصبحت تتباري بالإعلان عن عدد من وطنتهم، ووظفتهم وكأن الأمر صار مجالاً للمباهاة ومبعثاً للفخر، ولكنني لا أود في النهاية أن نتعامل مع أرقام ونسب وأعداد صماء وفقط، إنما مع نتائج وإنجازات .
إن التوطين على علاته يضر أكثر مما ينفع مثل الرجل الذي استيقظ من نومه وقرر أن يزرع أرضه قمحاً، ونثر البذور في الحقل ثم تذكر أن يجهز الأرض للزراعة ويهيئها لاستقبال البذور . . إن التوطين معناه تجهيز الأرض بالحرث، وتعهدها بالرعاية وغيرها ثم نثر البذور وليس العكس . . وهذه عملية استراتيجية طويلة المدى وليست بهذه السرعة التي نراها . . فدول العالم لم تنجح بالمال وحده إنما بالمورد البشري الوطني .
وعلى العكس تماماً تسير بالتوازي مع مشكلة التوطين . . مشكلة العمالة الوافدة في منطقة الخليج تلك المشكلة التاريخية التي ساهمت في إذكائها قلة عدد السكان في دول الخليج، وذلك بحسب تقرير عن التنمية البشرية في المنطقة أن نقص المعروض من قوة العمالة الوطنية الماهرة والمدربة، الأمر الذي كان يمكن أن يجعل هذه الدول عاجزة عن تنفيذ خططها التنموية إذا ما اقتصرت على قدراتها البشرية فحسب، علاوة على المزايا التي تتسم بها العمالة المستوردة، كونها لا تكلف الدول المستقبلة لها أي نفقات تعليمية أو تدريبية، كما أنها أقل تكلفة من حيث الأجور وأكثر عائدية من حيث إنتاجيتها، فضلاً عن كونها أكثر مهارة .
إضافة إلى عزوف العمالة الوطنية عن العمل ببعض الوظائف والمهن الفنية والحرفية التي يقوم بها الوافدون حيث ينظر المواطنون في دول الخليج إلى بعض الوظائف أو المهن نظرة دونية تأثراً في رواسب اجتماعية وثقافية قديمة، ويفضلون في المقابل العمل في المجال الإداري والدوائر الحكومية، نظراً لتميز العمل الحكومي بالاستقرار الوظيفي والمزايا التصاعدية المشجعة، فضلاً عن الرواتب الضخمة، وأخيراً وليس آخر عدم تناسب مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل،
لذلك لا ينبغي على دول التعاون أن تمد جل اهتمامها وتبسطه نحو السباق المحموم لتوطين الوظائف، إنما تنظر بعين الاهتمام نحو توطين المجتمع وأن تحدد شكله ونمطه وكينونته، وأن تضع الحصان أمام العربة وليس العكس، وتسأل نفسها هل ترمي وتؤسس إلى مجتمع صناعي أم تجاري أم زراعي أم ماذا؟ وفي ضوء ذلك تجهز مؤسساتها وهيئاتها نحو البناء والاستثمار في التعليم، وأن تعيد تشكيل الخارطة التعليمية وأن تنظر في مخرجات التعليم فما نزرعه اليوم نحصده غداً، فإذا كنا مثلاً نريد مجتمعاً صناعياً من الأهمية بمكان التركيز على التعليم الفني الصناعي حتى نضمن مجتمعاً صناعياً مؤهلاً . . وإذا ما أردنا مجتمعاً زراعياً فلنهتم بمدارس ومعاهد وكليات الزراعة وغيرها لنضمن مخرجات تعليم مناسبة وموائمة لتوجه الدولة، وغير ذلك من التصنيفات التي يجب أن تتم دراستها بعناية واهتمام .
إن التوطين هو نتيجة وليس سبباً لذا علينا أن نوجه الأسباب، وننتظر النتائج ولا نترك أنفسنا نهباً للظروف والأهواء ثم نلجأ إلى الاختيار، وأن نعد الجيل الجديد ثم ننتظر لنجني الثمار .
ولا يجب أن تتحمل الدولة كل هذا العبء إنما يجب أن تتضافر مع تلك الجهود مشاركة فاعلة وحيوية من القطاع الخاص، والذي يعد ضلعاً مهماً، وشريكاً رئيساً في قضية التوطين .

dr_hossam22@yahoo .com