صندوق البريد ذاك . كيف يحتمل؟ . . لهذا السؤال معناه الذي بدأ مع الدخول في عصر التقنية الحديثة يتخذ شكل الإطار المجرد . ليس المقصود الصندوق في واقعه المادي والكونكريتي . تواصل الناس مع بعضها بعضاً هو المقصود، وما ينطبق على صندوق البريد التقليدي قبل عشرين سنة وثلاثين ينطبق اليوم على الرسائل الإلكترونية .
لكن هل انتهى عصر الرسائل الورقية وصناديق البريد؟ . . بالمعنى المتداول سابقاً . . نعم انتهى أو كاد . واليوم لا يجد المشتاقون وقتاً للكتابة المستفيضة عن مشاعرهم، ولا يمكنهم الانتظار إلى الغد، ولا يمتلكون الصبر حتى تصل رسائلهم بعد أربعة أيام وأسبوع وأكثر .
بل إن من الرسائل التقليدية ما دخل بالفعل في الأساطير . رسائل نسيها أصحابها، وربما ماتوا عنها، ثم تصل إلى من أرسلت له بعد نصف قرن أو يزيد .
وقد تكفي سنة أو سنتان لتغيير المشاعر وتضاريس الوجوه والقلوب والجبال والشطآن، فماذا عن خمسين عاماً وأكثر؟
السؤال في صيغة ثانية: جيولوجيا الأرصاد والطبيعة وقد عرفناها، فماذا عن جيولوجيا المشاعر؟
أن يموت مرسل الرسالة، وتبقى رسالته ضائعة بين الممرات والطرقات وسعاة البريد، ثم تصل بعد سبعين سنة، في جغرافيا فقدت ملامحها واكتست ملامح جديدة، وفي جيولوجيا داهمها الزمن من كل صوب . على مهله داهمها وقصقص منها الأطراف والأعماق، فهذه رواية شبه مكتملة، ولا ينقصها بطبيعة الحال أن يأتي مرسلها اليوم، الآن، ليقول شهادته . وجوده لا يكمل الحكاية، وبعض الغموض تأسيس متجدد للوضوح .
إذا كانت الحياة تكتب الإنسان مرة، فإن الموت يكتبه ألف مرة:
فارس وأمير
وفي صدره ناره تسرج القلب
في ظلمات السباق الأخير .
في نهاية المطاف لا يوجد داع أبداً لأن تتقلب المزيد من المدن على نار الحكاية، فما أحوجنا اليوم جميعاً، أهل الأرض، إلى صواب يباغتنا فجأة من غير ميعاد .
[email protected]