ما من شيءٍ في سيرة العلاقات بين الأمم والشّعوب والدّول، في النّظام الدّوليّ القائم، يدلّ على أنّها علاقات تنتظم في نسقٍ جامعٍ يَخْلع عليها طابعاً كونيّاً أو هي تنزع، على الأقلّ، إلى أن تصير كونيّة. الثّابتُ اليوم، وبقوّة أحكام الواقع، أنّها أبعد ما تكون عن الكونيّة بمعناها الفلسفيّ والإنسانيّ حتّى لا نقول إنّها على الطّرف النّقيض منها، الأمرُ الذي يستفاد منه أنّ القول بمزعمة الكونيّة هذه مصروف في مقامٍ أوّل، لأداء خدمة إيديولوجيّة تضليليّة في السّياسات الدّوليّة.
نعم، ظلّت فكرة كونيّة الوجود الإنسانيّ وفي جملتها فكرة القيم والقوانين تخامر البشريّة ومفكّريها منذ زمن، وظلّت تُلْهم أفكاراً كبرى وإيديولوجيّات سياسيّة وتيّارات ثقافيّة وتهذِّب رؤية المجتمعات والثّقافات إلى بعضها، غير أنّ تجارب التّاريخ المعاصر، بما فيها تجربة تكوين نظام دوليّ مؤسّسيّ، أثبتت أنّ بلوغ هذه الكونيّة أمرٌ عسيرُ المنال حتّى لا نقول إنّه مستحيلُ الإمكان. ولقد كان هذا يكفي لأن ينقُل الفكرةَ الكونيّة من الواقع إلى الطّوبى فإلى الوهم: حيث يتولّد الشّرطُ المناسب لتسخيرها في العلاقات السّياسيّة الدّوليّة.
أمّا أنّ الكونيّةَ وهْمٌ، فليس لأنّها مستحيلةُ الإمكان فقط، وإنّما لأنّ ماجريات العلاقات الدّوليّة تميط اللّثام عن حقيقة الفجوة السّحيقة التي تفصل بين الأمم والشّعوب والدّول على صعيد فرص التّنمية والسّلام والرّخاء والاستقرار، على نحوٍ لا يبقى معه مكانٌ لأيّ كلامٍ على كونيّةٍ مزعومة، إذِ المعلوم أنّ التّكافؤ في الفرص بين الأمم شرطٌ لازِب لكلّ كونيّة: وهو غائبٌ، تماماً، في ميدان العلاقات الدّوليّة القائمة على الغَلبة وتفاوُت الحقوق، شأنُها في ذلك شأن العلاقات داخل كلّ اجتماعٍ سياسيّ حاضراً وقبْلاً.
بهذا الاعتبار، لا تعدو الكونيّة أن تكون شعاراً للاستهلاك السّياسيّ ومادّةً للتّسخير الإيديولوجيّ من قِبل القوى الكبرى الماسكة بأزِمّة النّظام الدّوليّ، وهي هكذا هي، اليوم، ستار يخفي خلفه أغراضاً سياسيّة لا علاقة لها بما تعنيه الكونيّةُ من معانٍ. هكذا يسعنا أن نعرِّف الكونيّة، في خطابها الإيديولوجيّ الذي يدّعيها، بوصفها اسماً مستعاراً للسّيطرة والهيمنة وفرْض إرادةِ الأقوى ومعاييرِه على العالم وتقديمِها، من غير خجلٍ، بما هي أدواتٌ من عُدّةِ بناء الكونيّة!
لقد كانت إرادةُ السّيطرة واحتكارِ القوّة والنّفوذ سمةً رئيسية لنظام العلاقات الدّوليّة منذ نشأ النّظام الرّأسماليّ وزَحَف على العالم مستصحباً معه الاستعمارَ والغزو العسكريّ ونهب المستعمَرات. غير أنّ معدّل تلك الإرادة ومقاديرَها من القوّة والفتْك تَضاعَف أضعافاً في العقود الأخيرة منذ شرعتِ العلاقاتُ الدّوليّة في التّعولُم، ومنذ نجحت قوى العولمة في «توحيد» العالم قسريّاً تحت سلطانها السّياسيّ والاقتصاديّ.
ولقد تراءتِ الفرصةُ مناسِبةً لقوى الهيمنة في العالم للتّرويج الإيديولوجيّ والإعلاميّ لوهم الكونيّة من طريق الإيحاء بأنّ العولمة سبيلٌ إلى الكونيّة، ووسيلةٌ من أفعل وسائل التّمكين لها. ونحن نعلم، على القطع، أنّ الهيمنة التي تمتطي صهوة الكونيّة، تقود، موضوعيّاً، إلى الإلحاق والابتلاع وتبديد الاستقلال والشّخصيّة الذّاتيّة السّيّدة للدّول والأمم وليس إلى توحيد العالم وكوننتِه كما تدّعي زوراً.
على أنّ إرادة الهيمنة، المسلَّطة على العالم من وراء قناع الكونيّة، لم تكن لتُحْرِز، دائماً، النّجاحات التي تتوقّعها منها قُواها الكبرى في النّظام الدّوليّ، بل كثيراً ما وُوجِهت بمقاوماتٍ سياسيّة واقتصاديّة متفاوتةِ الحجمِ والأثرِ من دول العالم وشعوبه. ولقد كان من وسائل المقاومة وسُبُلها أنّ دولاً من الجنوب خاضت غمار الصّراع داخل العولمة وعلى العولمة في آن، على مثال ما فعلتِ الصّين والهند والبرازيل وسواها، فغيّرت من توازُن القوى الاقتصاديّة والعلميّة والتّقانيّة في النّظام الدّوليّ.
والمفارقةُ الأكبر أنّ القوّة التي كانت تقود الهيمنة، بأدوات العولمة وباسم الكونيّة، أعني الولايات المتّحدة، سرعان ما أرهقتها المنافسةُ مع القوى الكبرى الصّاعدة التي أطلقت تلك المقاومات في وجهها، فأُكرِهَتْ على الخروج التّدريجيّ منها من طريق الانكفاء إلى داخلها القوميّ الأمريكيّ بعد الانسحاب من كثيرٍ من مؤسّسات العولمة واتّفاقيّاتها، بل حتّى من مؤسّسات النّظام الدّوليّ.
abdilkeziz29gmailo.com
