الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ترامب في حضرة «التنين»

18 مايو 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 18 مايو 00:18 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في بكين، لم يكن دونالد ترامب وحده من يدخل القاعة الكبرى. كانت تدخل معه صورة أمريكا التي اعتادت أن تصل بوصفها مركز النظام الدولي لا مجرد طرف فيه. لكن المشهد هذه المرة بدا مختلفاً، رئيس أمريكي اشتهر بالصخب والاندفاع، يجلس داخل المسرح البروتوكولي الصيني الهادئ كأن إيقاع المكان انتزع منه ضجيجه المعتاد. لا تغريدات نارية، لا استعراضات لفظية، ولا تلك اللغة التي اعتاد أن يصف بها الصين بوصفها «سارقاً للوظائف» و«منافساً غير نزيه».
في بكين، بدا ترامب أكثر هدوءاً مما اعتاده العالم، كأن القمة لم تكن فقط لقاء بين رجلين، بل لحظة اعتراف متبادل بأن الصين لم تعد مجرد قوة صاعدة تطرق باب النظام الدولي، بل هي قطب يجلس داخله ويعيد ترتيب أثاثه بهدوء طويل النفس.
المشهد، في رمزيته، كان أكبر من ملفات التجارة والرسوم الجمركية. كان أشبه بصورة لنظام دولي يحاول التكيف مع حقيقة جديدة: النسر لا يزال القوة العسكرية والمالية الأولى، لكنه لم يعد وحده في مركز المسرح. والتنين، الذي أمضى عقوداً يُقدَم بوصفه «المستقبل»، دخل الحاضر فعلاً.
ترامب يدرك ذلك أكثر مما يظهر في خطاباته الانتخابية. هو لا يرى الصين دولة بعيدة تنافس بلاده على بعض الأسواق، بل مرآة تعكس أكثر ما يخشاه الأمريكيون: مصانع أغلقت، وسلاسل توريد انتقلت شرقاً، وتكنولوجيا لم تعد حكراً على الغرب. لهذا يهاجم بكين بعنف حين يخاطب قاعدته الشعبية، لكنه حين يجلس بحضرة شي يتبدل الإيقاع فجأة.
لهذا كان لافتاً أنه، رغم خطابه القاسي، لم يهاجم شي شخصياً، بل وصفه بالرجل القوي. ترامب يحب الزعماء الذين يشبهون الصورة التي يحملها عن السلطة: قرار مركزي، حضور حاسم، وقدرة على فرض الإيقاع. يمكنه أن يهاجم الصين أمام الكاميرات، لكن بحضرتها يتحدث كرجل أعمال يعرف أن الطاولة لا تحتمل استفزازاً زائداً قد يفسد الصفقة كلها.
في النهاية، يتعامل ترامب مع الصين بعقلية رجل الصفقات: خصم خطِر، لكن يمكن الجلوس معه إلى الطاولة لتعديل شروط اللعبة، لا لشن حرب أيديولوجية طويلة النفس على وجوده.
أما الصين فترى ترامب بطريقة أكثر تعقيداً مما يبدو. في بكين، يُنظر إليه كرئيس غير قابل للتوقع، رجل قد يستيقظ صباحاً فيقرر رفع الرسوم الجمركية أو تشديد القيود على أشباه الموصلات لأنه يرى في ذلك مكسباً داخلياً سريعاً. هذا يجعل التعامل معه محفوفاً بالحذر. لكن على نحو متناقض هناك ارتياح نسبي لطريقته مقارنة ببعض خصومه في واشنطن.
الصينيون يقلقون أكثر من الإدارات الأمريكية التي ترى فيهم تحدياً بنيوياً طويل الأمد، وتسعى إلى تطويقهم عبر التحالفات والتكنولوجيا وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بهدوء مؤسساتي مستمر. ذلك النوع من الاستراتيجيات يبدو لبكين أخطر من رئيس يرفع صوته في الإعلام ثم يجلس إلى الطاولة باحثاً عن صفقة قابلة للبيع لجمهوره. ترامب، بهذا المعنى، خطر تكتيكي، أما الاستراتيجية الأمريكية طويلة النفس فهي الخطر الذي يهدد النموذج الصيني نفسه.
ومع ذلك، يدرك الطرفان أن الصدام الكامل بينهما لم يعد ترفاً ممكناً. الصين تعرف أن الأسواق الأمريكية لا تزال شرياناً أساسياً لاقتصادها، وواشنطن تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع بكين قد تعني اهتزاز سلاسل التوريد والطاقة والتكنولوجيا في العالم كله.
لهذا لم يكن استقبال ترامب مجرد بروتوكول. بل أقرب إلى عرض مدروس لقوة تعرف جيداً كيف تستخدم الرمزية. بكين لم تحاول مجاراة صخب ترامب، بل فعلت العكس تماماً: امتصته داخل هدوئها. في القاعة الكبرى، بدا شي جين بينغ كمن يتحرك داخل بيته السياسي الطبيعي، فيما بدا ترامب، للمرة النادرة، كأنه مضطر إلى التكيف مع إيقاع لا يملكه بالكامل.
إذا استمرت العلاقة على هذا النحو - تنظيم للتنافس بدلاً من حسمه - سنكون أمام نظام دولي تعيش فيه واشنطن وبكين في حالة «هدنة باردة»: لا حرب شاملة، ولا شراكة حقيقية، بل إدارة دائمة لللاثقة. في مثل هذا العالم، تصبح الدول المتوسطة - من أوروبا إلى آسيا - مضطرة إلى إعادة تعريف علاقاتها مع القطبين، والبحث عن هوامش مناورة لا تسحقها تحت أقدام النسر والتنين معاً.
وربما هنا تكمن الخلاصة الحقيقية للقمة. لم تخرج باتفاق تاريخي، ولم تُعلن «الصفقة الكبرى» التي يحب ترامب التفاخر بها. لكن القمة كشفت شيئاً أعمق: العالم دخل مرحلة لم يعد فيها ممكناً التعامل مع الصين بوصفها مشروع قوة مستقبلية فقط. لقد أصبحت قوة حاضرة تفرض على خصومها، حتى أكثرهم ضجيجاً، أن يخفضوا أصواتهم قليلاً حين يدخلون إلى بكين.
في المسافة بين ترامب الذي جاء حاملاً لغة القوة، وشي الذي استقبله بلغة الثبات، ظهرت صورة النظام الدولي الجديد: عالم لا يستطيع فيه أحد إلغاء الآخر، ولا يملك فيه أحد ترف التصرف كأنه السيد الوحيد للمشهد.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة