اكتشفت الحكومة اللبنانية أن أفضل وسيلة لتحقيق الاستقرار وجلب السلام للبنان واستعادة الأراضي المحتلة هو التفاوض مع إسرائيل. وتكاد تجمع الأحزاب كلها و75% من الشعب اللبناني على هذا التوجّه. طبعاً هذه النسبة ليست رسمية وإنما استنتاجية، لأن المعارضين للتفاوض هم الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) ومعظم أبناء البيئة الحاضنة، وبعض أعضاء الأحزاب الصغيرة المدعومة من الثنائي. بينما الأحزاب الأخرى مثل الكتائب والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، فهي تدعم التفاوض بطريقة أو بأخرى، وضمن شروط ليست تعجيزية.
ولو دقّقنا النظر في تصريحات الثنائي الشيعي، نجد أنه لا يعارض التفاوض في المبدأ، ويقترح المفاوضات غير المباشرة، أو الوقف الكامل لإطلاق النار شرطاً أولياً للتفاوض. وتلتقي الحكومة اللبنانية مع الثنائي الشيعي في هذا المطلب، وتؤكد على ضرورة وقف إطلاق النار بالكامل للدخول في المرحلة الثانية الرامية إلى توقيع اتفاقية سلام مع لبنان تفضي إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية وعودة النازحين وضمان إعادة الإعمار والتوقّف عن الاعتداءات.
وفي المجمل، فإن لبنان كله، بأحزابه وشرائحه الشعبية مع إجراء المفاوضات مع إسرائيل، مباشرة أو غير مباشرة. بقي أن نقول إن الحكومة اللبنانية لا تنوي توقيع اتفاقية سلام تؤدي إلى التمثيل الدبلوماسي والتطبيع مع إسرائيل، وتترك ذلك للإجماع العربي. ونعتقد أنها تتفق مع الرؤية السعودية التي طرحت في قمة بيروت على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام. والحكومة اللبنانية حريصة على التماهي مع المملكة في موضوع اتفاقية السلام، ولبنان لن يخاطر ويذهب وحده.
إن رؤية موضوعية ومحايدة للمشهد السياسي تقول إن معظم الدول العربية لا تمانع في إبرام اتفاقيات مع إسرائيل، والمشكلة تكمن في اللغة فقط لا غير، فهناك من يتذرّع بحقوق الشعب الفلسطيني وحل الدولتين، وهناك من يتحجّج بالإجماع العربي، وأسباب أخرى، بينما يمكن القول إن الموقف النهائي هو الاعتراف بدولة اسمها إسرائيل في المنطقة، ولا بد من التعامل معها. وأرجو ألاّ يُفهم أنني أروّج لعقد اتفاقيات ومعاهدات صلح مع إسرائيل وأشجّع على التطبيع، فهذا ليس من مهامي، ودوري يقتصر على التوصيف مع شيء من التحليل.
في المقابل، فإن إيران لديها الموقف ذاتها الشبيه بالموقف اللبناني، فهي تريد ربط المسار اللبناني بها، كي لا يُقال إنها باعت «المقاومة»، وتطالب بوقف إطلاق نار شامل في إيران ولبنان معاً، تمهيداً للدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهي تدرك أنها حين تفاوض الولايات المتحدة فإنها تفاوض إسرائيل، لأن بعض البنود وضعتها إسرائيل، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتشاور مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن أي اتفاق. وحين تشترط إيران عدم الاعتداء عليها مستقبلاً، فإنها تؤسس لحالة سلام مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ من سيهاجمها غير الولايات المتحدة أو إسرائيل!
من جهة أخرى، فإن إيران موافقة على تصريحات الثنائي الشيعي في لبنان، حين يتحدثان عن المفاوضات غير المباشرة وغيرها، ما يعني أنها موافقة على التمهيد لاتفاقية مع إسرائيل، وربما تشجّع على ذلك، لأن المسارين اللبناني الإسرائيلي والإيراني الأمريكي يتقاطعان في المحاور الجوهرية، أما المحاور الأخرى فهي مجرد تكتيكات.
ونعود إلى الحكومة اللبنانية الملتزمة بالمسار التفاوضي، وسنفترض أنها تمكنت من التوصّل إلى اتفاق يقضي بوقف تام للعمليات العسكرية، والانسحاب من القرى التي احتلتها، وترسيم الحدود البرية، وعودة النازحين، وهي المطالب ذاتها التي يتبناها الثنائي الشيعي، وهذا ما سيبطل الاعتراض على التفاوض وبالتالي على اتفاقية السلام.
ترى، ماذا سيكون الموقف الإيراني؟ هل سيبارك أم يشجع على قلب الطاولة؟ لا شك أنه سيشجّع، لأنه ماض في العملية ذاتها، مباشرة أو غير مباشرة.
يحق لنا أن نتساءل إن كانت المعارضة من أجل المعارضة، لأن ما يُطلق من تصريحات لا يدل على اختلاف في التوجهات، وإنما في الوسائل، ولا تتعارض في المبادئ، وإنما في التكتيك، فلماذا إذاً هذا الجدل البيزنطي الدائر، والأهداف واحدة؟
لن نتورّط في البحث عن إجابات، لكن، وكما يبدو، هناك خوف من الحاضنة الشعبية ذاتها، التي قدّمت الضحايا والجرحى والبيوت، وتعاني من النزوح والتهجير وصعوبة العيش، ويقوم أفرادها بإطلاق تصريحات عن الصمود ومواصلة القتال حتى النهاية، هذه الحاضة أو البيئة هي التي دفعت الثمن، وليس غريباً أن تطالب بأثمان. وهذه الحاضنة ليست في لبنان وحده، إنما في إيران، فهناك تشابه مصيري بين الحالتين، لكن من يدري، فحين تتخذ القيادة قرارها سيكون مصحوباً بعبارات النصر.
المساران اللبناني والإيراني مرتبطان، وإن ادعت الجهات الرسمية في لبنان أنها ستتصرف من منطلق سيادي، وستذهب وحدها للمفاوضات، لإنقاذ البلاد، وإعادة لبنان عظيماً، كما قالت سفيرة لبنان لدى أمريكا في اجتماع الوفد اللبناني المفاوض مع الرئيس الأمريكي، وهي شروط خارجية أكثر منها خيارات داخلية، فالاستقلالية في اللغة الرسمية اللبنانية تعني التحرّر من سيطرة حزب الله وهيمنته، وهي رسالة للآخر المعني بالمفاوضات، وربما رسالة لصندوق النقد الدولي، الذي تتفاوض معه الحكومة اللبنانية في إطار التعافي الاقتصادي..
