في الركن الأكثر عتمة من المنزل، تكوّمت على نفسها زائغة الفكر بين ما انتهت إليه من أوجاع جسدية، وجروح نفسية، لا ملجأ لها من ضياعها إلا وهمٌ أخرجته بيد مرتجفة من مخبئه بين جيوب ثوبها، وهمٌ بلون أبيض مدور، التهمته بوحشية غول يخطف فرح الأطفال، واستغرقت مغمضة العينين في رحلة الهروب من الواقع. مثل دواء للنسيان بدأت قصتها معه حين عرضت عليها الاستعانة به ثلة من صحبة التسكع لتشطب من ذاكرتها ما تجاوزته معهم من حدود، واليوم صارت مدمنة مدمرة، ذليلة في طلبه، منبوذة من المجتمع، مكروهة من الأهل، حبيسة بين وهم وخوف وضياع وانكسار.
في زوايا مظلمة أخرى من المنزل ذاته، يعشش توجس دائم من أن يطرق الباب غريب، أو قريب فيكشف سر الفتاة، أو أن تنفد من جيبها الحبوب فتكسر، كمجنونة، شيئاً من أثاث المنزل الفاخر أو سكينة وسمعة الأسرة. تتناثر الاتهامات على الأرائك بين من كان السبب في ما وصلت إليه ابنة العائلة المعروفة، ومن يتركها تتدهور وحيدة إلى درك العيش، ويصطدم الحنان الأبوي المغلف بالحزن بواقع المجتمع المكتوف اليدين أمام وصمة تلف المدمن من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وعجز أمام توحش غول المخدرات.
وفي منزل قريب، بضعة كيلومترات، أو قليلاً من إشارات مرور، قصة مشابهه جداً إلى درجة التطابق، متخفية جداً إلى درجة الغياب، حزينة جداً إلى درجة القنوط، بطلها شاب أو فتاة وأسرة صامتة مكبلة اليدين.
في رواية كهذه لا يوجد شرير وطيب، يوجد خوف يكبح أي نية بجهد قد ينجو بالجميع، خوف من الآخر الذي لا نعلم من هو والذي قد يكون ضحية مثلهم، أو يصبح في يوم ما، خوف يمنع التوحد لمحاربة الألم، لتجاوز الخطأ، لانتشال الأبناء من ضحايا المخدرات إلى ضفة أكثر استقرار وسلاماً.
تكاتف الأسر لمحاربة مرض المخدرات في مجموعات مساندة، مفتاح لأبواب كثيرة، تكسر عزلة المريض وأسرته، تمنحه حق معرفة تجربة الآخر بصوابها وخطئها، تعطيه جرعة أمل بشفاء قد يكون قريباً. استماع أم مصابة، أو أب حزين لقصص من يعيشون تجربة مماثلة، يحاربون لأجل ابن مرض بالإدمان؛ يواسي أحزانهم ويخفف عبء مخاوفهم، اجتماع الآراء والأفكار لمحاربة غول خرج من القصص وهاجم الأبناء، سيكون بغير ريب أوفر حظاً في هزمه، وأكثر فعالية في حصد المساندة المجتمعية والحكومية لمقارعته.
مجموعات المناصرة والدعم، أثبتت في الكثير من المجتمعات، نجاحها في حماية ودعم قضاياها، لاسيما في القضايا الأكثر تعقيداً والأشد حساسية، كإدمان الأبناء للمخدرات، وقد تكون هذه الطريقة أكثر نجاعة في مجتمع محافظ، كمجتمعنا، يخشى العيب أكثر من الموت، ابحث عن من وجعه كوجعك، فأنت لست وحيداً، شاركه، استمع له واسمعه، واتحدوا جميعاً حتى تضيء الزوايا المظلمة.
حتى تضيء الزوايا المظلمة
20 يناير 2016 05:33 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 يناير 05:50 2016
شارك
خالد الكمده