بالقرب من قاعة إفريقيا في الشارقة إلى جانب مبنى البريد، وفي تلك الفسحة المفتوحة للهواء الطلق، بحيث إذا أرسلت بصرك باتجاه بحيرة خالد يتراءى لك مبنى السوق الإسلامي، بينما يمتد شارع فرعي صغير سرعان ما يؤدي إلى الميناء، حيث تهجع مجموعات المراكب والسفن الصغيرة تطوف بها أسراب من طيور النورس . . في هذا المكان الذي تستعيده الذاكرة الآن كانت ترتفع خيمة كبيرة هي نواة معرض الشارقة الدولي للكتاب في العام ،1985 وكاتب هذه السطور ربما كان للمرة الأولى في حياته يدخل معرضاً للكتاب، وبدا الأمر في هذه الحال مثل رجل جائع يجد نفسه في حقل من التفاح، فالكتب كانت منتشرة في أرجاء الخيمة التي ازدحمت بالناس من كل الأعمار . . نساء ورجال وشباب وأطفال كانوا يجوبون الممرات وعيونهم شاخصة إلى آلاف العناوين الأدبية والعلمية والفلسفية والتاريخية . . فأنت فعلاً في حقل من الفاكهة، وما عليك إلا أن تختار من الكتب ما تشاء وتملأ أكياسك وحقائبك .

كانت أسعار الكتب أقل بكثير مما هي عليه الآن، وبالنسبة لقارئ محترف أو يعتبر الكتاب بمثل أهمية رغيف الخبز، فإن السعر ليس بذي بال، ثم هي مناسبة أشبه بالعيد، تجتمع فيها كل هذه العناوين مرة واحدة وبالتالي سوف تضيع الفرصة على مَنْ لا يغتنمها في هذا الكرنفال المعرفي الجميل .

في دورة أخرى سينتقل المعرض إلى مكان إكسبو القريب من مقر جريدة الخليج في أواخر ثمانينيات القرن الماضي أو أوائل التسعينيات بتنظيم مختلف وبفعاليات جديدة، وهذه المرة سنستمع إلى قراءات شعرية في رحاب المعرض الذي أخذت عناوينه تتضاعف ودور النشر فيه تكثر . . والأصدقاء أيضاً يكثرون .

الكتب التي كنّا نقرأ عن صدورها أو نسمع عنها من بعض من قرأوها في بلدانهم، أو في دور النشر أصبحت اليوم في متناول أيدينا بدءاً من بابلو نيرودا إلى كونديرا . . كونديرا تحديداً الذي أذهلته كتابته المواربة والشيقة في رواياته التي بخفة الكائن الذي لا يحتمل .

سنظل مع المعرض من عام إلى عام، ولد في شبابنا، وها نحن نكبر معه، وعندما تقدم بنا العمر وأنجبنا أطفالاً أخذ أولادنا يكبرون معه أيضاً، وما لا نعرفه في عواصم الثقافة العربية سوف نعرفه كلّه هنا في عاصمة العرب الثقافية . . الشارقة .

. . سنظل نكبر مع المعرض ونكبر مع الشارقة وفي الشارقة حقل المعرفة الذي يشتق اسمه من روح الشمس .

[email protected]