وصفت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الايرانية حول الملف النووي الايراني، التي عقدت في جنيف مؤخراً واستمرت لسبع ساعات متواصلة، بأنها كانت مثمرة، في حين أكد منوشهر متكي وزير خارجية ايران، انها كانت بناءة. لكن بعيداً عن النتائج والتوقعات، فإن عدم فشل الجولة الأولى والاتفاق على عقد جولة ثانية من المباحثات في أقل من شهر، يشكل نقطة تحول مهمة في سياق تطور العلاقات المتوترة بين الجمهورية الاسلامية في ايران والولايات المتحدة الامريكية.
إن أي حوار مباشر بين هذين الخصمين اللدودين، هو خطوة ايجابية، اذا كان الهدف الابتعاد التدريجي عن الخيار العسكري في التعامل مع الملف النووي الايراني وتخفيف حدة الاحتقان السياسي والتخندق المذهبي وتحويل إيران إلى عامل استقرار في المنطقة.
لن تتمكن جولة واحدة أو حتى عدة جولات من الحوار المباشر من إبعاد خيار المواجهة العسكرية كلياً ونهائياً، لكن احتمال اندلاع حرب رابعة في الخليج العربي تراجع كثيراً حالياً، واصبحت المنطقة اكثر استقراراً واحسن حالاً. والمؤكد أن دول مجلس التعاون التي تعيش مع إيران في منطقة جغرافية واحدة، هي اكبر المستفيدين من حل الخلاف المستعصي حول الملف النوي الإيراني عبر العمل الدبلوماسي. لكن على دول مجلس التعاون التفكير بعمق في الانعكاسات الجيوسياسية للحوار والتحرك في اكثر من اتجاه للحفاظ على مصالحها وأمنها وتحديد خياراتها.
وأول ما ينبغي التحذير منه هو الثقة المفرطة في واشنطن. لقد اكدت ادارة اوباما أنها لن تضحي بالاصدقاء من أجل كسب الاعداء، ولن تعطي ايران دوراً اكبر من دورها، ووزناً أكبر من وزنها. لكن الثقة في واشنطن لا ينبغي ان تكون مطلقة. فقد جرت العادة ان ترتكب واشنطن حماقات وكانت دول مجلس التعاون أول من يدفع ثمن الاخطاء الامريكية الشنيعة.
والخوف الآن أن تندفع ادارة اوباما سياسيا نحو ايران كما اندفعت ادارة بوش عسكريا نحو العراق. لقد كانت نتيجة الاندفاع العسكري عام 2003 إعطاء العراق لإيران على طبق من ذهب، وربما كانت نتيجة الاندفاع السياسي عام 2009 إعطاء الخليج العربي بأسره لإيران على طبق من ذهب، من خلال الاعترف بطهران كمركز الثقل السياسي والاستراتيجي في المنطقة.
لقد ارسلت إدارة اوباما برسالة غير مريحة لأصدقاء واشنطن عندما تخلت مؤخراً عن التزاماتها تجاه دول اوروبا الشرقية الصغيرة عبر الغاء نظام الدفاع الصاروخي من أجل كسب ود روسيا. والسؤال المشروع هو اذا تخلت واشنطن عن دول اوروبا الشرقية من اجل كسب ود روسيا، فما الذي يمنعها من أن تتخلى عن دول الخليج العربي من أجل كسب ود ايران، وذلك من منطلق أن إيران اكثر اهمية استراتيجيا على المدى البعيد من دول مجلس التعاون. إن احتمالات الصفقة مع طهران واردة كما عقدت واشنطن صفقة ضمنية مع موسكو على حساب دول اوروبا الشرقية. لذلك مهما تحدثت امريكا بلغة الصداقة، لا يمكن الاطمئنان كثيراً إليها.
لا تخشى دول مجلس التعاون الحوار بين واشنطن وطهران. كما انها لا تخشى إيران التي تتعامل معها هذه الدول بشكل يومي. الخوف الحقيقي من اندفاعات واشنطن السياسية والعسكرية، وقدراتها على ارتكاب الأخطاء الفادحة، وعدم الاطمئنان الى التزاماتها.
من هنا أمام دول مجلس التعاون التفكير في الخيار الاوروبي بجانب الخيار الامريكي من أجل توسيع نطاق الحوار مع ايران ليشمل الولايات المتحدة و26 دولة اوروبية علاوة على دول مجلس التعاون الست. هذا هو حوار 1+1+26+6. إن وجود 43 طرفاً إقليمياً دولياً يجعل الصفقة مع طهران صفقة جماعية وشاملة وملزمة، تراعي مصالح عديدة، وتسعى لحل مشاكل عالقة كثيرة، ولن تقتصر نتائجها على طهران وواشنطن.
لكن مشكلة هذا الخيار أن الطرف الاوروبي كالطرف الخليجي غير موحد وغير مستقل. فأوروبا، بكل قدراتها وامكانياتها، تعمل سياسيا في ظل الولايات المتحدة وتنسق مواقفها مع واشنطن في الامور الاستراتيجية، وتتلقى التوجيهات مباشرة منها، ما يعني ان الخيار الاوروبي هو في جوهره نفس الخيار الامريكي لكن في صيغة معدلة ومخففة.
لذلك من المهم لدول مجلس التعاون التفكير في الخيار الثالث في التعامل مع إيران، وهو الخيار العربي الذي يتضمن الدفع بحوار عربي إيراني بالتزامن والتوازي مع الحوار الامريكي الإيراني. لقد أكد عمرو موسى أنه يؤيد فتح حوارعربي مباشر مع ايران، وابدى الاستعداد للقيام بزيارة الى طهران. لكن الامين العام لجامعة الدول العربية لن يتحرك في اتجاه طهران من دون ضوء اخضر من القاهرة. ومن دون موقف سياسي مصري ايجابي لا يمكن تحريك الدبلوماسية العربية في اتجاه ايران. هذا الموقف المصري لم يحن وقته بعد، فالقاهرة مستاءة كل الاستياء من التمدد الايراني في الشأن العربي.
من هنا يأتي الخيار الرابع المتاح امام دول مجلس التعاون، أي خيار الحوار الخليجي الإيراني المباشر. فدول مجلس التعاون لا تحتاج للحديث الى طهران عبر بوابة واشنطن أو القاهرة أو أية عاصمة أخرى. ليست لدى هذه الدول مشكلة تجاه الحوار مع طهران حتى في اصعب اللحظات واكثر الاوقات توتراً. ولا تحتاج دول مجلس التعاون أي طرف اقليمي أو دولي أن يمثل مصالحها، فهي اجدر واقدر على الحوار مع الجار الايراني الصعب بهدف تخفيف حدة التوترات وحل القضايا العالقة وحل الاختلافات القائمة. هذا هو حوار 1+6 الذي طال انتظاره.
لكن هذا الخيار يواجه مشكلة كبرى حاليا هي الخلافات الخليجية وانهيار الانسجام الخليجي، وذهاب دول المجلس الى اكثر من اتجاه في كيفية التعامل مع طهران التي تستغل الخلافات الخليجية لتقوية موقفها التفاوضي مع دول مجلس التعاون وتفضل الحوار الثنائي على حساب الحوار الجماعي.
لذلك فإن افضل خيار هو تحريك كافة هذه الخيارات معاً لتشكل حالة دبلوماسية ضاغطة على طهران بهدف تحويلها الى عامل استقرار في المنطقة. اذا تحركت هذه الخيارات معا، سيكون الضغط مذهلا، وستكون النتائج ايجابية وتصب في صالح دول مجلس التعاون التي لا ينبغي أن تخاف من الحوار الامريكي الايراني بل عليها دعمه والمساهمة في استمراره حتى لوكانت النتائج متواضعة.