على طريقة خليك بالبيت، يدعونا سلامة موسى في واحد من مقالاته لأن نمكث في بيوتنا أطول ما يمكن، وأن نجد في هذا المكوث ما يجلب المتعة والحميمية، ولم يكن الأمر بالنسبة إلى موسى دعوة إلى السهر مع التلفاز ومتابعة ما يعرض من برامج، وإنما دعوة للتسامر بين أفراد العائلة وتبادل الآراء والأخبار بين أفرادها .
ولذا فإنه يقرر في عنوان المقال أن البيت ليس فندقاً ولا مطعماً، وكما هو بيّن من العنوان، فإن الكاتب يدعونا إلى عدم النظر إلى بيوتنا على أنها مطعماً نرتاده وقت الأكل، فنتناول طعامنا بسرعة، وكيفما اتفق، ولا مأوى للنوم نعود إليه في أواخر الليل بعد انقضاء مواعيد المقاهي والأندية، لنخلد إلى النوم .
ولأن سلامة موسى عاش مرحلة من عمره في بريطانيا فإنه ظل مشدوداً للكثير من العادات التي ألفها هناك، وهو إذ راقب ميل الإنجليز، يومذاك على الأقل، للمكوث في بيوتهم بعد فترات العمل، فإنه عزا ذلك إلى وجود غرفة الموقدة، التي تحمي أفراد الأسر من البرد القارص، فيتجمعون حولها للمسامرة وتبادل الطرائف والأخبار، مُعزياً غياب هذه العادات في بلاده مصر إلى قصر مدة فصل الشتاء، ولا أدري ماذا كان سيقول عن الحال في بلدان الخليج لو أنه أتيح له التعرف إلى جوها الحار غالبية شهور السنة .
فنحن نعود ظهراً من أعمالنا لندخل في بيوتنا المكيفة، هارعين لتناول وجبة الغداء التي هي في الغالب الأعم من ذاك النوع الدسم الكفيل بتسطيل الجسم والذهن في آن، لندخل في غيبوبة قيلولة الظهر التي تمتد حتى المساء، فمن يقوى بعد وجبة مثل هذه أن يقاوم سلطان النوم ويأتي بعمل مفيد؟
وبعد أن ننهض مساء يبدأ مشوار آخر خارج البيت، في مشاغل شتى، سببها، على الأرجح، الشعور بالفائض من الوقت، لا لأنه فائض فعلاً، وإنما لأن مجتمعاتنا لم تُربّ أبناءها على تطوير ملكاتهم ومواهبهم في أعمال وهوايات مفيدة، بحيث لا نشعر بثقل هذا الوقت .
رد الاعتبار للبيت بصفته مكاناً للألفة والدعة والترابط الأسري، كما يطالب سلامة موسى، مطلب مشروع، لكن لا تقل أهمية عنه إعادة النظر في الكثير من العادات المَرضية التي ألفناها في مجتمعات اعتادت نمط الاستهلاك، بدءاً من طريقة تنظيم ساعات العمل مروراً بنظام التغذية، وانتهاء بتوفير مرافق تنمية المواهب وإطلاقها .
drhmadan@hotmail .com