مايكل غيرسون*

إن التنافس السياسي بين رئيس جنوب السودان، سلفا كير، ونائبه السابق ريك ماشار، وتحوله إلى صراع مسلح على خلفية عرقيّة ضمنية بغيضة. فالأول ينتمي إلى قبيلة الدنكا، بينما ينتمي الثاني إلى قبيلة النوير. وقد عمّق سفك الدماء الأخير الضغائن والأحقاد القديمة بين القبيلتين.

وكانت النتيجة خيانة مأساوية للوعد. الحكومة تطبع العُملة لتغطية النفقات مع هبوط عوائد النفط. والتضخم السريع يُرغم الكثير من السودانيين الجنوبيين على إنفاق كلّ مدخراتهم لمجرّد دفع ثمن الطعام. وترزح بعض أجزاء البلاد في ظل المجاعة، التي تدُلّ عليها أذرعة الأطفال التي باتت في نحافة العيدان من فرْط سوء التغذية. والمعلمون وغيرهم من موظفي الحكومة، تُدفَع لهم رواتبهم في أوقات متقطعة، وقد لا تُدفع أبداً.

وهناك تقارير عن انعدام القانون غير بعيد خارج العاصمة جوبا - هجمات من قِبل ميليشيات تدّعي ارتباطها بالمتمردين، ولكنها ربما تكون محض عصابات إجرامية. ويوجَد الآن ما يُقدَّر ب 13 ألف طفل، منضوين تحت عباءة الجماعات المسلحة. وقد أرغِم أكثر من 1.2 مليون سوداني جنوبي على الرحيل من منازلهم.

ويفتقر الناس إلى الإحساس الحقيقي بالقومية والمواطنة المشتركة، بينما تقتضي الضرورة التوصل إلى نوعٍ من التسوية عن طريق التفاوض بين المجموعات المسلحة.
ولكنّ المتحاربين يَبدون حالياً مُهتمّين بالمناورة للحصول على المواقع قبل أن تحوِّل الأمطار الطرقات إلى أوحال، أكثر من اهتمامهم بالتفاوض على تسويةٍ بنيّة حسنة. ويبدو أن قوات ماشار، قد تحمّست بفعل الانشقاق في الآونة الأخيرة، لقائد ساخط للجيش الشعبي، وأنها تتخذ خطوات تكتيكية لتقويض إنتاج النفط، المصدر الرئيسي (والحصريّ تقريباً) لعائدات الحكومة. وتفتقر العمليات العسكرية في كلا الجانبين، إلى القيادة والسيطرة، ما يؤدي إلى وجود حرب يغذيها النهب، وتدفعها الفظاعات، إذ تتحدث التقارير عن قُرى سُوِّيت بالأرض، وأكداس من الجثث المحترقة. ولكن اتساع جنوب السودان الشاسع، ربما يجعله قادراً على امتصاص أسوأ الفظائع.
وقد أعطت إدارة أوباما انطباعاً بالنشاط، ولكن منافذها إلى جوبا محدودة ونفوذها لديها قليل. وكما قال دبلوماسي أمريكي سابق، فإن الإدارة تبحث عن أفكار «منخفضة المخاطر، مرتفعة المردود» - وهي غير متوفرة. وإرغام «كير» و«ماشار» على الاتفاق صعب بطبيعته، لأن قادتهما العسكريين، فيما يبدو، يملكون القول الفصل في معظم الأمور.
والضغط الدبلوماسي من الدول المجاورة، محدود القيمة، وذلك لوجود تضارُبات جوهرية في المصالح، بين كل تلك الدول.

وقد تحرَّك كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي، في اتجاه فرض عقوبات تستهدف الأفراد المتورطين في أعمال وحشية. وقد تكون المشاركة المباشرة من قِبل الرئيس أوباما، مفيدة في إعادة إطلاق مفاوضات هادفة.

ولكنه ينبغي إعطاء زعماء الكنيسة في جنوب السودان دوراً أكبر- فهم الوحيدون المهيَّأون للقيام بوساطة، وتذكير جنوب السودان بهوية وإنسانية مشتركة، تتقدمان في الأولوية على القبيلة.
وقد خلق النزاع في جنوب السودان فراغات في السيادة - سارَعت بعض المؤسسات إلى ملئها على نحوٍ مثير للإعجاب.
فعند بدء الفظائع، فتحت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب السودان، أبواب قواعدها على مصراعيْها للأقليات العرقية الهاربة، ولا سيّما قبيلة النوير. ووجد أكثر من 130 ألف شخص لأنفسهم ملاذاً في مجمَّعات الأمم المتحدة. ومخيمات «حماية المدنيين» مرتجلة وتعاني مشاكل خطرة. ولكن ما فعلته الأمم المتحدة هنا لا سابق له، على الأقل على هذا الصعيد- أي حماية الأقليات المعرضة للخطر في غمار صراع مسلح تعُمّه الفوضى. وقد أنقذت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أرواح ألوف وربما عشرات الألوف من الناس، وحالت دون وقوع دورة من الحقد والثأر كان من شأنها أن تدمّر مستقبل جنوب السودان بصورة تامة. وبذلك، جسدت تلك القوات القصد الذي قامت من أجله الأمم المتحدة.
كما أن المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة «الرؤية العالمية»، و«أطباء بلا حدود» و«منظمة إنقاذ الطفولة» قامت بدور متقدم في الاستجابة للأزمة الإنسانية في جنوب السودان. وفي مدينة كواجوك، أعدّت المنظمات غير الحكومية والمسؤولون الطبيون المحليون معاً 20 ألف جرعة لمكافحة الملاريا، استعداداً لموسم المطر، وما يأتي معه من بعوض. ولا تكتفي جماعات المساعدة بتوفير الأدوية والمواد الغذائية والخدمات وحسب، بل تقوم بتوعية السكان المحليين، وتعليمهم الصمود والتغلب على المصاعب، وحُسن التصرف، والإحساس بأفراد مجتمعهم.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل سيكتفي العالم بالتفرج مكتوف الأيدي، بينما تتحطم الدولة الأكثر هشاشة في العالم، وتتفتت؟

*كاتب أمريكي (موقع «ريل كلير بوليتيكس»)