الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

روسيا والصّين في توازنات القوى

4 مايو 2026 00:14 صباحًا | آخر تحديث: 4 مايو 00:15 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ليس من جدالٍ في أنّ الصّين وروسيا الاتّحاديّة دولتان تُحسَبان في خانة القوى الكبرى في العالم، مثلهما في ذلك مثل الولايات المتّحدة وأوروبا (مجتمعةً في دائرة «الاتّحاد الأوروبيّ»)، وأنّ قوّتهما ليست تُعْزَى، فقط، إلى العضويّة الدّائمة التي تتمتّعان بها في مجلس الأمن الدّوليّ بل يفسّرها ما تحتازُهُ كلٌّ منهما من موارد القوّة في العالم وما تحتلاّنِهِ، نتيجة ذلك، من مركزٍ مرموق في توازنات القوّة الاقتصاديّة والعلميّة والتّكنولوجيّة والعسكريّة والسّياسيّة.
ومع أنّ الدّولتين ما عادتا رمزيْن لنظامٍ آخر نقيضٍ (النّظام الاشتراكيّ) يهدّد النّظام الرّأسماليّ، ولا هُما ترتبطان بعلاقةِ اندماجٍ في منظومةٍ عسكريّة وأمنيّة واحدة - نظير المنظومة الغربيّة التي تمثّلها «منظّمة حلف شمال الأطلسيّ»- بحيث تصبح مصدر تهديدٍ استراتيجيّ لمعسكر دول الغرب الأطلسيّ، إلاّ أنّ الأخيرةَ ما توقّفت عن النّظر إليهما بما هما عدوّان استراتيجيّان يفرضان عليها مواجهتها باستراتيجيّةٍ دفاعيّة تحاصر نفوذَهما في العالم من طريق محاصرتهما في حيّزيْهما الإقليميّين.
بيُسرٍ شديد، يستطيع من يتابع السّياسة الدّوليّة اليوم -بل منذ مطلع هذه الألفيّة الجديدة - أن يلْحظ إلى أيّ حدٍّ وصل الانشغالُ الغربيّ بسياسات روسيا والصّين حدّةً حتّى إنّه ليكاد أن يتحوّل إلى هُجاسٍ سياسيّ في الأعوام الأخيرة، خاصّةً في الولايات المتّحدة. بل يَسَع المتابع ذاك أن يلحظ أنّ الهُجاس هذا يوشك، اليوم، أن يؤْذِن بفشل سياسات الاحتواء التي نهجتها دول الغرب -وراء أمريكا- حيال كلٍّ من الدّولتين، خاصّة تلك السّياسات النّاجحة، نسبيّاً، التي نهجتها الولايات المتّحدة خلال الولايتين الرّئاسيّتين لبارك أوباما.
أمّا إن قال قائل إنّ ارتفاع معدّل المَخافة السّياسيّة الغربيّة من الدّولتين اقترن بأضخم حدثين في العالم وَقَعا، بعد انهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ، وهما اندلاع الحرب التّجاريّة بين الصّين والولايات المتّحدة واندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهو قولٌ صحيح، فإنّ الحدثين هذين ما كان لهما أن يحدُثا ولا -إنْ حَصَل وحَدَثا- أن يكون لهما كلّ هذا الكمّ الهائل من التّبعات الهائلة، التي ما زلنا نعانيها في يوميّات العلاقات الدّوليّة، لو أنّ سياسة الاحتواء تلك أصابت حظّاً من النّجاح في امتصاص مشكلات العلاقة بين معسكر الغرب والدّولتين.
يختلف وزنُ كلٍّ من الدّولتيْن في ميزان القوّة العالميّ. روسيا قوّةٌ عسكريّة ضاربة يخشاها النّظام الأطلسيّ ويحسب لها ألف حساب، ثمّ هي، إلى ذلك، قوّةٌ سياسيّة ذاتُ نفوذٍ عالميّ ورثت جزءاً منه عن حقبتها السّوڤييتيّة، وابتنت لها جزءاً ثانياً خلال العقود الثّلاثة الأخيرة وتحديداً في عهدها البوتينيّ. أمّا الصّين فقوّةٌ اقتصاديّة وصناعيّة وعلميّة وتكنولوجيّة في المقام الأوّل، لكنّها -من غير شكّ- قوّةٌ عسكريّة يُخشى جانبُها شيئاً فشيئاً من غير أن تضارِع قوّة روسيا المجرّبة.
الفارق بين الدّولتين الكبيرتين واضحٌ، إذن، على صعيد ما تحْتازه كلٌّ منهما من مواردَ استراتيجيّة، وعلى صعيد الميدان الذي تَقْوى فيه هذه وتلك منهما على منافسة الغرب والولايات المتّحدة فيه. أمّا ما تشتركان فيه في تينك القوّة والقدرة على المنافسة فهو ذلك الموقع الثّانيّ الذي يحتلّه كلاهما في مراتبيّة القوّة على الصّعيد العالميّ، عسكريّاً في حالة روسيا واقتصاديّاً في حالة الصّين.
مع ذلك، مع هذه المكانة المميَّزة التي تحتازها الدّولتان في العالم، ليس من انعكاسٍ، أو من تَجَلٍّ، لتلك المكانة نلحظُه على صعيد الأدوار السّياسيّة في النّظام الدّوليّ. لا يُقاس نفوذ روسيا السّياسيّ اليوم بنفوذ الاتّحاد السّوڤييتيّ أمس. أمّا الصّين فما شغلها عن هدفها شاغلُ النّفوذ السّياسيّ منذ بداية حقبة ما بعد الماويّة فيها، في النّصف الثّانيّ من سبعينيّات القرن العشرين، بل طفِقت تعمل -بنشاطٍ متسارع- على تنمية قواها الاقتصاديّة بحسبانها، في نظرها، أولويّةً استراتيجيّة لبناء نفوذٍ دوليّ لا يضارعها في الأهميّة والجدوى أيُّ هدفٍ وأيّ أولويّة أخرى.
أيّاً كانت الأسباب التي حجّمت أدوار روسيا والصّين السّياسيّة فإنّ التّنكّب عنها سيعزِّز الفراغ السّياسيّ الدّوليّ الذي لن يجد من يملؤه سوى الولايات المتّحدة، وهذا صحيح، ولكن مرحليّاً فحسب، ذلك أنّ الوفاء بأداء هذا الدّور الكبير في العالم (دور الأوحديّة والاحتكار السّياسيّين) سيرتّب على صاحبه أعباءً وتكاليفَ ماديّة وعسكريّة لا حصر لها، أليس ذلك ما يحصل للولايات المتّحدة اليوم؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه