الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حالة عدم اليقين

4 مايو 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 4 مايو 00:18 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حين أرى عشرة أشخاص في استوديو في قناة فضائية عربية، يتحدثون عن الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، أُدرك أن لا جديد في الأحداث الميدانية، وهؤلاء يتحدثون بشكل تنظيري ويضعون سيناريوهات، منها ما هو قابل للتحقق ومنها ما هو خيالي. وهذا المشهد هو صورة مصغّرة عن النقاشات المحتدمة في الشارع العربي، والأجنبي بشكل أقل.
وفي ظل الجمود في المفاوضات والعمليات العسكرية، وجدت الأطراف نفسها أمام وضع محرج، لا هي تتفاوض بشكل جدي، ولا هي تتحارب بشكل جدي، ومُلئت الساحة تصريحات من الطرفين، بعضها فارغ وبعضها دسم، وبعضها يمكن البناء عليه. ويبدو أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب خبير في ملء الفراغات، ويستطيع أن يلعب باحتراف في هذا الميدان، ويطلق في النهار الواحد ثلاثة أو أربعة تصريحات، غالباً ما تكون قليلة الدسم، وهي توصيف سياسي أكثر منها مواقف رسمية.
لهذا قد يضحك المتابع الخبير من تصريحات ترامب أو المرشد الأعلى الإيراني، أو أي مسؤول في أحد الطرفين، فهي تصريحات إنشائية غير مدروسة، وحين تنقل من اللغة الإنجليزية أو الفارسية إلى العربية تبدو فارغة من المضامين، وهذا ما يضع المتابع العادي على حافة العبث والشعور بالسخرية، لأن العالم يغلي، أو شعوب المنطقة تغلي وقلقة من القادم، بينما المتحاربون يلوكون اللغة فتظهر تصريحات لا معنى لها.
الأمر ذاته يحدث في الساحة اللبنانية، فمع انسداد الأفق، والانتظار غير المجدي، يصدر المسؤولون اللبنانيون تصريحات تدور حول محور واحد هو وقف إطلاق النار، والاستعداد للمفاوضات، والطرف الآخر يرفض المفاوضات ويتهم الحكومة بالخيانة ويطالب بأن تكون المفاوضات غير مباشرة. وهو أمر مثير للجدل إن لم يكن الضحك، لأن جوهر المسألة واحد، إن كانت المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة عبر وسطاء، لأن الهدف هو الوصول إلى اتفاقية مع إسرائيل، والفرق الوحيد بين نوعي المفاوضات هو أن المفاوضات غير المباشرة تكون أقل إلزامية من المفاوضات المباشرة.
على كل حال، وعلى الرغم من أن إسرائيل ماضية في تدمير القرى اللبنانية الحدودية، ويقال إن بعضها سُوّي بالأرض، فإن الرئيس اللبناني يشترط وقف العمليات العسكرية قبل الذهاب إلى مفاوضات مباشرة، وهو موقف جديد نسبياً، وإسرائيل لا تزال ترفض وتصرّ على تحقيق هدفها وهو القضاء على حزب الله، وهو هدف يناقشه المحللون الإسرائيليون في القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، ويقول البعض باستحالة تحقيق الهدف خاصة عندما يربطونه بتدمير البيئة الحاضنة، وهدم بيوتها، ويبدو أن الرئيس ترامب، حين أعلن وقف إطلاق النار في لبنان، فقد سمح للجانب الإسرائيلي بمواصلة العمل ضد حزب الله، رغم أن البيان نصّ على حق الدفاع عن النفس، وليس مواصلة تدمير القرى.
الرئيس ترامب من جهته يواصل، كما قلنا، اللعب في أجواء اللاحرب واللاسلم، فأعلن الجمعة الماضي أمام الكونغرس أنه أنهى العداوات مع إيران، بينما قواته لا تزال تحاصر الموانئ الإيرانية، وأسطوله البحري يتجول في الخليج والبحر المتوسط، وفي الواقع هو قرار لا علاقة له بالواقع الميداني، وهو قرار سياسي قانوني حتى لا يضطر الكونغرس إلى تجديد العمليات القتالية، وبذلك، لعب الورقة بشكل صحيح، فهو قلّل الاحتقان الداخلي من جهة، والتف على الكونغرس من جهة ثانية، وأبقى على قواته مستنفرة في مضيق هرمز، ما يعني أن الوضع باق على حاله في انتظار قيام إيران بتقديم مقترحات جديدة للحل يوافق عليها الجانب الأمريكي.
ويبدو أن هذه الحالة التي لا لون لها ولا طعم، ستستمر وقد تدوم لفترة طويلة، لكن تداعيات الواقع الإقليمي ستنعكس على الفريقين، لأن دولاً متضررة بشكل كبير جراء إقفال مضيق هرمز، والارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة، النفط والغاز، إضافة إلى السلع الأخرى، إلى جانب وقف مشاريع تنموية، وقد تأثرت قطاعات العقارات والمصارف والاستثمارات بشكل متباين، ولاسيّما القطاع الخاص. وفي الواقع الكل يعاني من الأزمة الحالية، بما فيها الدول التي لم تشارك في القتال، والدول التي شاركت بشكل نسبي، فالحرب لا ترحم أحداً.
يبقى الجانب النفسي الفردي والمجتمعي الذي لن يظهر ربما قبل انتهاء الحرب، لكنه قائم وموجود، فهناك إرهاق عقلي ونفسي، وهناك حالات اكتئاب، وحالات خوف ورعب. وهذا الجانب يخص الأطفال في المقام الأول، فمن السهل هذه الأيام سماع طفلٍ يتحدث في السياسة، وفي الحرب والصواريخ بشكل ببغائي، وبعضهم يحاول أن يفهم، والبعض يعبر عن غضبه فيلعن الجهة التي قادته إلى هذا الواقع (غير الطفولي) وقد يدعو عليها بالموت والدمار.
وأعتقد أن الجهات المعنية ستقوم بتوفير المحتوى والإمكانيات العلاجية والوقائية لتحسين أمزجة الأطفال، وطمأنتهم، وإعادة الفرح إلى قلوبهم، مع علمنا، نحن في دولة الإمارات، أن الدولة لم تُشعر المواطنين ولا المقيمين بأنهم في حالة حرب، وفي معظم الأيام، الحياة عادية وأكثر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه