في لحظة تتقاطع فيها حسابات الداخل مع ضغوط الخارج، تبدو السياسة أقرب إلى إدارة انطباعات منها إلى صناعة قرارات، هنا، يخرج ملف مضيق هرمز من نطاقه الجغرافي الضيق ليصبح مرآة أوسع تعكس موقع بريطانيا في العالم، وحدود قدرتها على إعادة تعريف هذا الموقع.
تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر حول مضيق هرمز لم تكن مجرد موقف من أزمة ملاحة متوترة، بل جاءت في سياق سياسي متداخل، يسبق الانتخابات المحلية في إنجلترا في 7 مايو/ أيار، ويتقاطع مع تحرك لندن لاستضافة مؤتمر دولي حول أمن الملاحة بمشاركة عشرات الدول الأسبوع الجاري.
هذا التزامن ليس تفصيلاً إجرائياً. في السياسة، التوقيت جزء من الرسالة. حين يتقدم ملف أمني عالمي إلى واجهة الخطاب السياسي الداخلي، فهذا يعني أن الحدود بين الخارج والداخل لم تعد واضحة كما كانت. وهنا تحديداً يبدأ هرمز بالتحول من ممر استراتيجي في الجغرافيا السياسية إلى أداة في الجغرافيا الانتخابية.
في أحد أكثر تصريحاته دلالة، قال ستارمر في مقابلة مع BBC Radio 4 إن الوضع الاقتصادي لن يعود إلى طبيعته بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز، مضيفاً أن الاقتصاد البريطاني عاش ضغوطاً ممتدة لعقود. هذه الجملة، على بساطتها الظاهرة، تكشف طبقة أعمق من التفكير السياسي: اعتراف بأن الأزمة الاقتصادية لا تختزل في حدث خارجي، وفي الوقت ذاته استخدام لهذا الحدث كجزء من سردية تفسيرية أوسع.
هنا تتشكل المفارقة الأساسية في الخطاب. فبينما يُقدم هرمز في الخطاب العام كعامل مؤثر في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، يتم في الوقت نفسه استخدامه عدسةً لتبسيط أزمة أكثر تعقيداً تمتد جذورها إلى ما بعد بريكست، مروراً بجائحة كوفيد19، ووصولاً إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا. بهذا المعنى، لا يُستخدم هرمز كسبب، بل كاختزال سياسي لأسباب متعددة.
لكن هذه ليست مجرد تقنية خطابية. إنها انعكاس لطبيعة اللحظة السياسية البريطانية نفسها. فقبل انتخابات محلية حساسة، يصبح أي ملف خارجي واسع التأثير فرصة لإعادة ترتيب الأسئلة الداخلية: بدلاً من ماذا حدث للاقتصاد؟، يصبح السؤال كيف أثرت العوامل العالمية في الاقتصاد؟ هذا التحول في صياغة السؤال ليس بريئاً، بل يعيد توزيع المسؤولية السياسية بطريقة غير مباشرة، ويخفف من ضغط المحاسبة المباشرة على السياسات الداخلية.
غير أن اختزال هرمز في هذه الوظيفة الانتخابية يخفي مستوى آخر أكثر أهمية: التحول في موقع بريطانيا داخل النظام الدولي. فبعد خروجها من الاتحاد الأوروبي وجدت لندن نفسها في مساحة وسطى معقدة، لا هي داخل البنية الأوروبية، ولا هي جزء من منظومة أمريكية مستقرة بالكامل، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة في السياسة الخارجية الأمريكية. هذه الحالة من «التموضع غير المكتمل» تدفع لندن إلى البحث عن مساحات جديدة لإعادة تعريف دورها، ولو تدريجياً.
من هنا، يصبح الاهتمام البريطاني بملف هرمز أكثر من مجرد استجابة لأزمة طاقة أو ملاحة. إنه محاولة لاختبار قدرة لندن على العودة إلى فضاءات النفوذ البحري والاستراتيجي، لكن بأدوات مختلفة: الدبلوماسية بدل السيطرة، التنسيق بدل الهيمنة، وإدارة الأزمات بدل صناعتها، لكن هل تفلح بهذه الصورة؟ استضافة مؤتمر دولي في لندن حول أمن الملاحة ليست خطوة رمزية فقط، بل مؤشر على رغبة في استعادة دور المنسّق داخل منظومة أمنية عالمية متشابكة.
لكن الفجوة بين الطموح والقدرة لا تزال قائمة. فالدور الدبلوماسي، مهما اتسع، لا يتحول تلقائياً إلى نفوذ استراتيجي. القدرة على التأثير في معادلات الأمن البحري تتطلب أكثر من إدارة مؤتمرات أو صياغة بيانات مشتركة. إنها تتطلب حضوراً عملياً في مناطق التوتر، وشراكات فاعلة، وأدوات تأثير تتجاوز الإطار الخطابي. وهنا تحديداً يظهر السؤال المركزي: هل تستطيع بريطانيا الانتقال من إدارة النقاش حول هرمز إلى المشاركة في تشكيل نتائجه؟
في هذا السياق لا يمكن فصل الخليج العربي عن معادلة هرمز. فالمضيق ليس مجرد نقطة عبور للطاقة العالمية، بل عقدة استراتيجية تربط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي. وأي إعادة تموضع بريطاني في هذا المجال لن تُقاس بمدى حضورها الإعلامي أو الدبلوماسي، بل بقدرتها على بناء شراكات مستقرة ومؤثرة داخل هذا الفضاء الحيوي.
المفارقة أن ما يبدو اليوم كملف جيوسياسي تقني، قد يتحول إلى معيار غير مباشر لقياس موقع بريطانيا العالمي. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على تفسير الأزمات، بل بقدرتها على التأثير في مساراتها. وبين التفسير والتأثير، تتحدد المسافة الفاصلة بين الدولة التي تراقب العالم، والدولة التي تسهم في تشكيله.
وفي النهاية، لا يتعلق السؤال الحقيقي بما إذا كانت بريطانيا تستخدم هرمز في خطابها الداخلي، أو ما إذا كان هرمز يفرض نفسه على حساباتها الخارجية. السؤال الأعمق هو: هل تنجح لندن في تحويل هرمز من ورقة انتخابية إلى اختبار استحقاق دولي؟
