شبه الحرب وشبه السلم

أفق أخر
03:15 صباحا
قراءة دقيقتين

عاشت هذه المنطقة فترة رمادية أطلق عليها اسم اللاحرب واللاسلم، وانتهت بسلم ناقص أدى بدوره إلى ما يسميه هنري كسنجر الحرب الناقصة، وهي الحرب التي تحرك ولا تحرر، وتكون بالتالي مجرد مناسبة لإعادة فتح الملفات الهاجعة.

الآن تعيش منطقتنا مرحلة هي شبه حرب وشبه سلم، وتندرج المناورات الإسرائيلية الشاملة التي حملت عدة رسائل إلى عدة أطراف في خانة شبه الحرب، ورغم التطمينات التي وجهها باراك إلى سوريا ولبنان بوجه خاص، إلا أن هذه المناورات لا تخلو من انذار حرب، لتذكير الأطراف المعنية بأن إسرائيل جاهزة وتبلغ في الوقت ذاته الإسرائيليين بأن الدولة قادرة على حمايتهم، وتقديم درع تقيهم من وابل الصواريخ إذا اندلعت الحرب.

إن شبه السلم هو حرب أخرى، لكن بمواصفات غير كلاسيكية، فكل شيء معلق، وما من هدنة مضمونة، إذ يكفي عود ثقاب واحد لإشعال الغابة، لأنها مليئة بالهشيم، لقد أورث تقرير فينوغراد وإقرار الكنيست بالهزيمة في لبنان رغم الحرص على اختيار مفردات ناعمة للتعبير عن الهزيمة الإسرائيلية بدءاً من الجنرالات حتى المستوطنين، شعوراً بالخوف، ولا شك في أن مثل هذا الخوف قد تحول إلى فوبيا خصوصاً لسكان الشمال بعد أن نزحوا للمرة الأولى إلى الجنوب في موسم للهجرة غير مسبوق في تاريخ الدولة العبرية.

المناورات بكل أبعادها خصوصاً الوقائي منها تتزامن مع توتر سياسي في المنطقة، لهذا لا يستطيع باراك أو أولمرت تبرئتها من هذا التوقيت ذي الدلالة.

والقرائن كلها تجزم ولا تشي فقط بأن الحرب إذا اندلعت لن تكون موضعية على الاطلاق، وقد تتحول منذ الرصاصة الأولى إلى حرب اقليمية، مما يضاعف من خسائرها المدنية، وهذا ما لا تقوى إسرائيل على احتماله أو المجازفة به.

لكن النزعة الانتحارية الشمشونية التي تستوطن الايديولوجيا الصهيونية قد تنتهي إلى جملة كوارث دفعة واحدة.

فإسرائيل كما وصفها صحافي فرنسي عام 1967 تشبه البيضة، إما أن تكسر وتفسد أو تفقس، أما الجرح فهو ليس من نصيب هذه البيضة التي يتطلب الحفاظ عليها جهداً يتجاوز جهد طائر البطريك في القطب الجنوبي كي ينجو ببيضته الوحيدة من الصقيع.

إن كل القراءات السياسية والعسكرية لهذه المناورات تبدو منطقية باستثناء القراءة الوحيدة التي اقترحها الجنرال باراك، وهو ادراجها في خانة المناورات التقليدية، كيف يمكن لهذه المناورات أن تكون عادية في وقت غير عادي على الاطلاق، وفي ذروة التوتر والرصد والثأرية خصوصاً بعد حرب تموز اللبنانية التي أفسدت سايكولوجيا الظفر الأبدي لدى الجيش الإسرائيلي وانهت بجرة صاروخ لا بجرة قلم الحروب الخاطفة المتراوحة بين ست ساعات وستة أيام، وأحياناً الست دقائق؟

إن هذه المناورات شبه حرب، لهذا فهي تتناغم مع حالة شبه السلم التي تعيشها المنطقة.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"