عندما تتعالى أصوات مختلفة في الدولة لتتحدث عن المواطن وواجباته وحقوقه، فذلك شيء من الإيجابية بمكان، وهو أولاً وأخيراً ظاهرة صحية، ومؤشر على أن الحركية الاجتماعية تذهب في الاتجاه الصحيح . فطبيعي أن يعيد المجتمع من حين لآخر النظر في صياغة نمطياته الفكرية تجاه نفسه وتجاه حاضره وماضيه وكذلك مستقبله، وهذه الحركية تطمئننا إلى وجود الاحتكاك الواجب حصوله بين الطموح المتعمق في الإنسان وأسئلته المرتبطة بوجوده ويوميات حاضره .
لذلك يمكن في الحقيقة أن يؤخذ هذا التفكير من قبل عدة أصوات في دولة الإمارات خارج هذا الإطار الداعي إلى بناء أفكار جديدة، أو على الأقل إعادة تشكيل الأفكار القائمة حول مفاهيم المواطنة والوطن والمواطن .
ومن حيث المبدأ تخضع هذه المفاهيم اليوم في ظل هذا العالم المتعولم لسلسلة تغيرات في الشكل والجوهر، وهي تغيرات تحتكم إلى الخلفيات السياسية والمواريث الاجتماعية، وأيضاً إلى الحقائق الثقافية في أي بلد . فالوطن في المفهوم الحديث تجاوز منطق الحدود والفواصل الجغرافية، فأضحى كوكباً نسقياً كاملاً إلى الدرجة التي ضاق معها رغم اتساعه، فهو قيمة جمالية وحسية وشاعرية ومرجعية تتعالى على المنظور الكلاسيكي له كتراب وحدود وانتماء، ليبدو له مفهوم جديد مصوغ في منظور آخر ومنظور حقوق وواجبات الوطن تجاه أبنائه، أو بتعبير آخر، حدود معالم والفصل بين نهاية حقوق الفرد وبداية حقوق الوطن، وهذه هي الصياغة الجوهرية للمسألة، فمعيار القوة الحقيقية للوطن اليوم تكمن في ماذا يمكن أن يصوغ من مجموعة حقوق أبنائه في دائرة الممارسة اليوم في المجالات المختلفة، وهي حقوق لا تعدو في الأخير كونها مجموعة وسائل لتعزيز وتكريس مفهوم الانتماء إلى الوطن، الذي لا يتحدد بالجغرافيا وحدها بقدر ما يتحدد بمدى وفائه بالتزاماته تجاه مواطنيه .
ولعلنا لا نزال نذكر ما شاهدناه من صراع دار بين كوبا وأمريكا حول الطفل اليان غونزاليس في عام ،2000 فقد تحول الطفل الكوبي الصغير الذي أنقذته البحرية الأمريكية بالصدفة بعد موت أمه إلى قضية وطنية، وطوق النزاع حول عودته إلى كوبا، فصار انشغال البيت الأبيض وكلينتون الشخصي، كما أضحى قضية العمر بالنسبة لفيديل كاسترو في كوبا، وقد طرحت أزمة اليان السؤال حول مفهوم الوطن وتبعات الانتماء له، حتى وإن جاءت خاتمتها انتصاراً لكاسترو ورسالة ود من واشنطن إلى هافانا رغم الجفاء، فهذه القضية تقدم إشارة إلى جذرية مفهوم الوطن وبالتالي المواطنة في القرن الحالي، وهي جذرية ما كانت لتكون واقعاً لولا مساع إنسانية وجهود فكرية، وتفتح سياسي عميق، بل إنها وقبل ذلك ما كانت لتكون لولا أنظمة قائمة أسست طريقاً تسلكه الدول في التعاطي مع مواطنيها، الذين بهم تكون وعلى قدرهم تعلو وتتقدم، وتلك العلاقة الحميمة بل والوجودية هي في الحقيقة الحلقة المركزية، فما يمكن للوطن أن يقدمه لأبنائه في مرحلة الإنشاء والبناء هو المحور الذي يجب أن يشغل عقول الأمة ويستثير أفكارالنخب في الدولة .
وبقراءة هادئة في واقع دولة الإمارات، نجد أن التاريخ والحياة كانا كريمين مع هذا الوطن، عندما جادا علينا في شخص الراحل زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، بالصورة المثلى للمواطن وللقائد وللإنسان، فجسّد الراحل فلسفة التعامل الحكيم في الواقع اليومي متعاطياً مع الوطن كقضية وكقداسة وكواجب، ومع أبناء الوطن كأشقاء في الحاضر والمصير يجب الأخذ بأيديهم باتجاه الآفاق الواعدة والمشرقة دائماً، هذه تجربة إنسانية غنية ورائدة، وهي اليوم محل تقدير العالم لأسباب عدة، أولها غناها إنسانياً وروحياً وأخلاقياً، وثانيها نتائجها الخارقة على أرض الواقع، وثالثها امتدادها في الآفاق الإنسانية عامة متجاوزة بذلك الحدود التقليدية للوطن والمكان والأعراق والانتماءات العقائدية . لذلك فلن تحتاج المسألة منا إلى البحث في مرجعيات أخرى لأن المرجعية قائمة، وتتمثل وضاحة في عطاءاته الدافقة للأرض وللإنسان في الحاضر وما تمثله من أساس ومعين للمستقبل . فكان معطاء بلا حدود لأن عطاءه يحترم الانتماء ويقدر الهوية الثقافية وروح المكان، ويحلم دائماً بالإنجازات الكبيرة التي تتعاقد مع التاريخ لإضاءة وهج التاريخ الحافل .
لذلك يجب أن يظل الوطن دائماً عند هذا المستوى النوراني الذي خطه الراحل الشيخ زايد طيب الله ثراه، كتجربة فريدة في التاريخ الحديث، وأن يظل هو أيضاً تلك القيمة التي يجب أن تشغل عقل أبناء هذا الوطن جميعاً، لأنه ببساطة لا حافز لهم من دون هذا الوطن، كما أنه لا مستقبل لهم إلا بوجوده وعزته .
وكذلك مفهوم المواطنة الذي يحدده للوطن دفق صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة اللامحدود والمبهر في تساميه ونبله، في صدقه وقدرته على تجاوز الذات وخدمة أبناء البلد والزهد في كل ما هو كمالي إيماناً بقضية أكبر، فكان الوطن دوماً هو الحلم في بناء دولة وإنسان تنشغل بهما الدنيا وتمتلئ بهما مجالس الناس، وهذا ما كان له على أرض الواقع . فالواقع الإماراتي والعربي وحتى الإنساني، أثرى بهذه التجربة الهادئة والحكيمة، وهذا فضل من الله على هذه الأرض وعلى أبناء هذه الأرض، لذا فإننا نرى انه إذا ما كانت هناك آراء لمعالجة المستقبل ولقراءة السلوك الإنساني فلا يمكن ألا تنسجم مع هذا المنظور المتألق الذي رسمه صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله ورعاه، والذي جعل من الوطن أساساً وجعل من أبناء الوطن منطلقاً، إدراكاً من سموه أنه لا خير في وطن يضيق حضنه عن أبنائه، راسماً بذلك الصورة الحقيقة بدولة الإمارات والتي تدعو إلى الإعجاب والتقدير والاحترام وهي صورة تجاوزت نتائجها ومحصلاتها الحلم إلى الواقع اليومي القائم في أكثر من صورة والمتجسد في أكثر من حيز . لذلك بدا غريباً أن يشرع البعض بتوجيه حملات تهجم على المواطن، متهمة إياه بالسلبية وأنه لا يعمل شيئاً في الوقت الذي يطالب فيه بأن تؤمن له كل شيء، وادعاء البعض أن المواطن يقول إن الدولة كنز لا ينفد ويجب عليها أن تتكفل برعايته من القماط إلى الكفن . وهذا القول يخالف الحقيقة والواقع، ذلك لأن المواطن قد أثبت كفاءته وإخلاصه لوطنه عندما أتيحت له الفرصة في كل ميدان من ميادين العمل، وأن ما يشاع من أقاويل حول سلبية المواطن لا يخلو من مبالغة، فالخدمات التي تقدمها الدولة للمواطن هي شيء طبيعي مقارنة بالخدمات التي توفرها الدول المتحضرة لمواطنيها مما يندرج في إطار الضمان الاجتماعي من خدمات، سواء تأمين السكن أو التعليم او العمل وحتى إعالة من لا عمل له من مواطنيها، ولن يكون من العيب هنا أن تحدث أخطاء في مسارات شخصية لبعض المواطنين، وربما لغياب المعاني المتألقة للوطن في ممارستهم وفي حياتهم، ولكن ذلك يجب ألا يحجب عنا حقيقة المرجعية الموجودة والحقيقة الميدانية، أو يجعل البعض يتوهم بمساحة غير مطروحة خصوصاً بهذه الصورة التي تدعو إلى دق المسامير في ظهر المواطن . فأبناء الإمارات من حقهم أن يأملوا الأفضل دائماً، فإذا حدث اختلال في ميزان الحقوق والواجبات فالمطلوب هو إعادة بناء هذا التوازن بطريقة لا تخل بطبيعته الدقيقة، مع مراعاة حق المواطن في أمن حياته وفي مستقبله، وهذا حقه على وطنه، ومراعاة أيضاً لحق الوطن عليه في أن يكون هو مركز السياسات لأنه هو الثروة والثراء الحقيقي في أية معالجة أو خطة شاملة . وهو مصدر كل التصورات الكفيلة ببناء جسور تواصل فيما بين مقومات الوطن والمواطن والمواطنة التي تأخذ اتجاه المستقبل العلمي والأمن الفعلي، والتي تبدأ معها حقيقة التوجه إلى امتلاك أسباب مسايرة العصر لأن مدخل عصر اليوم مفاهيم وأفكار وإدراك، وتلك كانت دائماً مفاتيح الحضارة والتنوع والازدهار .
* كاتب من الإمارات