شهد العراق منذ تأسيس سلطته الوطنيه عام ،1921 وحتى الآن، أربعة أعلام وطنية، كان الأول في أيام العهد الملكي، وكان الثاني وليد ثورة 14 تموز عام ،1958 في حين اعتمد الثالث بعد حركة 8 شباط عام ،1963 وظهر لنا الرابع قبل أيام قليلة. ومن الإدراكات التي لا تحتاج لتنشيط الذاكرة، أن كل شعوب العالم تتمسك بأعلامها الوطنية، حتى وإن تبدل نظام الحكم فيها، والأمثلة على ذلك كثيرة، في فرنسا وإيطاليا وروسيا وإسبانيا وألمانيا... الخ. لكن حكام العالم الثالث، وبحكم شخصانية السلطة وتمركزها، يتدخلون في كل شيء وأولها العلم الوطني، غايتهم في ذلك أن تكون بصماتهم واضحة، سواء كانوا على رأس السلطة أو في أحد القبور المنزوية. والعلم العراقي ابتلي بتلك المزاجية السلطوية، وكأن من يغير العلم ورموزه، يستطيع أن يصادر ذاكرة الناس ويمحو وقائع التاريخ وشواهده، وهذا ما حصل للعلم العراقي الذي تحمس ممثلو الشعب لتغييره قبل أيام جراء ضغط الجانب الكردي، الذي يعتبره علماً لصدام حسين، وفاتهم أنه معتمد منذ عام 1963. وتعامى من يطالب بالتغيير عن أنه تحت هذه الراية، قاتل جميع العراقيين عن وحدة الوطن وحموه من كل غاز وقاطع طريق، ولعل أحداث عام 1996 مازالت طرية في الذهن يوم تم تحرير اربيل من التدخل الأجنبي وأعادوا من هرب منها.إن ذاكرة الناس ليست شريطاً للكاسيت، يمكن مسح محتوياته وإعادة التسجيل عليه. والشعوب الحيه لا تفقد ذاكرتها مهما كانت عوامل الضغط عليها كبيرة، لأن حصول ذلك معناه خسارتها للإدراك الحسي والمعنوي الذي يلتصق بروح الوطن والمواطنة. وقطعاً ان راية الوطن، ليست ملكاً لجيل أو لحقبة زمنية، بقدر ما هي جذر عميق ومتأصل في تربة الوطن، لذلك فالتغيير الذي أقره النواب للعلم العراقي، مجاملة ومجاراة لأحد الأطراف المنضوية في العملية السياسية في العراق، يشبه نصلاً حاداً غار في أحد تجاويف القلب. والأكيد أن من قام بذلك يحمل من الضغينة الشيء الكثير، ليس على العلم فحسب، بل على الوطن العراقي وشعبه، وفي ذلك دلالة خطيرة.إن العلم العراقي الذي استلهم من البيت الشعري الشهير للشاعر صفي الدين الحلي: بيض صنائعنا سود وقائعنا خضر مرابعنا حمر مواضينا سيبقى إحدى الرايات التي لن يظللها الشحوب في ذاكرة الناس وضمائرهم، وتلك أهم من قرارات النواب المتمترسين خلف الجدران الاسمنتية في المنطقة الخضراء. * كاتب وأكاديمي عراقي