مرّ الاستشراق بمرحلة ناعمة أوحت للشرقيين وللعرب والمسلمين بشكل خاص بأن ما يقوم به المستشرقون كمؤسسات وأفراد ما هو إلا تعبير عن فضول معرفي ورغبة في التواصل مع الآخر، وتسربت أو بمعنى أدق تسللت تحت هذا السطح الناعم أفكار ومفاهيم سامة منها ما هو متعلق بالعرقية، ومزاعم التفوق الآري ووصف العقل العربي مراراً بأنه قاصر وما قبل منطقي، وقد يكون ما بدأ به ارنست رينان وتبناه آخرون من طراز برنارد لويس وباتاي مثالاً للقراءة الأفقية والعوراء للعرب والإسلام، لهذا ما إن يظهر كاتب عربي يحاول إنصاف العرب والمسلمين حتى تثار ضده ردود أفعال عنيفة أقلها الاستنكار، وهناك كاتب ألماني حاول التغريد خارج السرب هو مراد هوفمان كتب قبل عشرين عاماً كتاباً بعنوان الإسلام كبديل، فثارت ضده مجموعات استشراقية ورثت أسوأ ما أفرزت الحقبة الكولونيالية. ولا يشبه موقفه في ألمانيا قبل عشرين عاماً إلا موقف روجيه جارودي والأب بيير في فرنسا خصوصاً بعد أن أصدر جارودي كتابه المضاد للأساطير الصهيونية، فحوكم وطورد وطالب المتطرفون من الراديكاليين بقتله.
والكتاب الآخر الذي أصدره هوفمان عن الإسلام هو بعنوان الطريق إلى مكة كرسه المؤلف لانطباعات عن رحلات في بلدان إسلامية، وصف فيها مشاهد اجتماعية وطقوساً عقائدية، وائتلف واختلف مع كل ما شاهد، لكنه في النهاية انحاز إلى هذا الإنسان الذي أسال نزيفه من الخاصرتين لعاب الذئاب وأسماك القرش في اليابسة والبحر.
إننا لا ننتظر من الاستشراق الجديد أو ما سمي ما بعد الاستشراق أن يكون ملكياً أكثر من الملك، وبالتالي عربياً أكثر من العرب، وأضعف الإيمان المطلوب من أحفاد المستشرقين القدامى هو قراءة تاريخنا بنزاهة وموضوعية وبلا أية أفكار أو مواقف عدائية مسبقة.
نذكر أن من سمي شيخ المستشرقين الفرنسيين وهو جاك بيرك الذي أتقن العربية وكتب عن أهم مبدعي تراثنا كان قد أصدر بياناً ينعى فيه الاستشراق الكلاسيكي، لكن سرعان ما تغيرت الدنيا، وبعد رحيل جاك بيرك حدثت وقائع كبرى بكل مقاييس التاريخ منها التمدد الأمريكي لاحتلال أفغانستان والعراق، والتهديد الدائم بالتدخلات العسكرية استكمالاً للتدخل السياسي وإسقاط مفهوم سيادة الدولة.
فهل يمكن للمؤرخ أن يتعامل مع احتلال العراق ومع تجربة بريمر ومن أعقبوه بطريقة مغايرة لتلك التي تعامل بها المؤرخون مع اللورد كرومر في مصر والسودان بعد احتلال بريطانيا للبلدين؟
لقد عاد الاستشراق مدججاً بالبوارج والأساطيل والصواريخ وأحدث الطائرات لينقل العلاقة بين الغرب والشرق من مرحلة يكون فيها الإخضاع غير مباشر إلى مرحلة أخرى أسوأ مما حدث في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
لقد ثار مستشرقون وثيقو الصلة بالمؤسسات السياسية والعسكرية ضد إدوارد سعيد وفي مقدمتهم اثنان على الأقل هما برنارد لويس ومكسيم رودنسون ولم يدخر هؤلاء حجة إلا ساقوها للنيل من التراث العربي الإسلامي.
لقد بدأ الاستشراق ناعماً وممهداً لحملات عسكرية، ثم انتهى عسكرياً بامتياز.