يضاف إلى قائمة التنازلات في الحياة العربية تنازل الصحافة الساخرة عن مكانتها . سقطت تسعة أعشارها . كانت سيف داموكليس، فإذا هي رمح بلاستيكي .
في سوريا كانت المضحك المبكي تضحك ضحكاً متنبّوباً . وكان حبيب كحالة، بشعره ونثره يهز الجبل . قبل سنوات صدرت الدومري ويرحمها الله .
في لبنان مات الدبور وأعمار الدبابير قصيرة . ورغم أن بلاد الأرز، لا تعوزها الألسنة الساخرة، لم تخرج هذه الخلية الثقافية لا دبوراً ولا يعسوباً . آخر عمالقة السخرية اللبنانية، سلام الراسي رحمه الله، كان كأن مداده الحاصباني والليطاني .
في مصر شهدنا تنازلاً من عبدالعزيز البشري والمازني والبعكوكة إلى المرحومة كاريكاتير، التي كانت تتحدث عن كل شيء عدا المهم .
في تونس، ماتت النديم منذ العقد الرابع الماضي، وكانت تقض مضاجع الاستعمار . اليوم، في تونس صحيفة متظارفة اسمها الصريح، يتندر بها الناس ويدعونها الضريح .
في الجزائر، تألقت في بداية العقد التاسع الماضي صحيفة ساخرة اسمها الصح آفة تصحيفاً ظريفاً للصحافة . وكانت توزع أكثر من أربعمائة ألف نسخة . ولكن ضاق بها صدر حريتي الرأي والتعبير فاختنقت واختفت مثلما اختفت صحيفة المنشار، التي منعت من النشر .
على أية حال، لسنا وحدنا في تنازل السخرية . إيران أيضاً تعاني وكلنا في الهم شرق . فقد كانت في عهد الشاه مجلة ساخرة من الطراز الرفيع تدعى توفيق، كانت تصدر أيام الخميس، وتحت اسمها عبارة تسويقية طريفة تقول: ليلة الجمعة أمامك واجبان: الثاني اقتناء توفيق . كان صدورها يؤرق النظام . ولذلك كانت تصدر وتختفي . وفي عهد الثورة ظهرت مجلة السيد الورد، ولعبت دوراً ثم وئدت .
لا داعي الى شرح أحوال الصحافة العربية الساخرة المهاجرة، فهي صحافة ابتزاز وكفى .
لك أن ترثي لحال الصحافة العربية الساخرة، إذا أنت أمعنت النظر في مسيرة البطة المغلولة الفرنسية الرائدة، التي لا تقرأها إلا القلة، لاستعصاء مستواها على العامة، ومع ذلك توزع أكثر من نصف مليون نسخة أسبوعياً .
عندما أعلن الجنرالات الفرنسيون رفضهم استقلال الجزائر، قسمت البطة المغلولة الرأي العام في فرنسا، فقرر ديغول معاقبتها بتغيير اسمها، فصدرت الأربعاء التالي باسمها الجديد البطة المغلولة سابقا فتنازل ديغول عن قراره لأنها انتصرت عليه بسخرية لاذعة .
هنيئاً فقد صارت الأمّة العربية مثل أفلاطون الذي كان يرى الضحك رذيلة .