تفضلت علينا اللجنة المتعلقة بالشؤون الاجتماعية والثقافية والإنسانية التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، وصوتت بأغلبية ساحقة لمصلحة قرار يؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير . وكان من الطبيعي أن تعارض الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وكندا هذا القرار، أما الأمر المضحك فهو أن (ميكرونيزيا وجزر المارشال وبالاو) عارضت القرار أيضاً! لا بأس، القرار يؤكد مجدداً حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما في ذلك في أن تكون له دولته المستقلة، فلسطين، الأمر المضحك المبكي في القرار أيضاً أنه يحث جميع الدول والوكالات المتخصصة ومؤسسات منظومة الأمم المتحدة على مواصلة دعم الشعب الفلسطيني ومساعدته على نيل حقه تقرير المصير في أقرب وقت، والجملة الأخيرة (في أقرب وقت) مضحكة للغاية، فقد جاءت وكأنها تتحدث عن لقاء غرامي أو دعوة بالشفاء (في أقرب وقت)، أما الأمر المستهجن فيتمثل في الشعور بالنصر والأكثر من هذا بالتفاؤل، فسفير فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور قال إن القرار يعد رسالة واضحة للكيان الصهيوني بأن انتهاكه للقانون الدولي مرفوض ولا يمكن التغاضي عنه، والجميل أيضاً أن السفير أو القرار، يتوقع من "إسرائيل" أن تفي تماماً بكل التزاماتها القانونية، حيث يُفهم من القرار أنه ينص أيضاً على حق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولة مستقلة، ويحدد السفير أن هذه الدولة هي (فلسطين) .
ويبدو أن الأمم المتحدة قد أصيبت بالزهايمر السياسي وهي تصدر هذا القرار، ونسيت القرارات السابقة، ومنها الشبيهة بهذا القرار، وهو القرار 3236 الصادر في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1974 الذي أكد على الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير والسيادة الوطنية والاستقلال، أي في تأسيس دولة مستقلة له . ومن الطبيعي أن يرد الكيان الصهيوني بالرفض وبترجمة رفضه على الأرض من خلال فرض المزيد من الإجراء ضد الشعب الفلسطيني والموافقة على بناء آلاف المستوطنات الجديدة . وكان بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني قد استبق هذا القرار خلال الأسبوع الماضي، فدعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحضور إلى الكنيست وإلقاء خطاب يعترف فيه أمام العالم أجمع بيهودية الكيان الصهيوني، والمعنى الذي في بطن نتنياهو هو الاعتراف بيهودية فلسطين .
ولا بدّ لنا في هذا المقام من تنشيط الذاكرة والتذكير بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأولها القرار 181 الذي صدر في العام 1947 بعد عقد دورة استثنائية للجمعية العامة بناء على طلب سلطة الانتداب البريطاني، واتُخذ قرار بتقسيم فلسطين، وقد رفضه العرب في ذلك الوقت .
وصدر قرار فيما بعد يحمل الرقم 194 ونص على "إنشاء لجنة توفيق تابعة للأمم المتحدة وتقرير وضع القدس في نظام دولي دائم وتقرير حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم" .
وصدر قرار من مجلس الأمن رقم 338 بتاريخ 22 أكتوبر/ تشرين الأول 1973 يدعو إلى وقف إطلاق النار على كافة جبهات حرب أكتوبر، وتنفيذ القرار 242 بجميع أجزائه .
وصدر القرار رقم 242 عن مجلس الأمن الدولي في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1976 (يلاحظ أن القرار المشار إليه في بداية المقالة صدر في 22 نوفمبر أيضاً، والفارق بين القرارين 37 عاماً)، ويؤكد القرار 242 عدم شرعية الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب، والحاجة إلى سلام عادل ودائم تستطيع أن تعيش فيه كل دولة في المنطقة، وهذا يقتضي تطبيق المبدأين التاليين: أولاً: انسحاب القوات "الإسرائيلية" من الأراضي التي احتلتها (في النص الإنجليزي: "من أراضِ احتلتها") في النزاع الأخير، أي في العام ،1967 أي تشمل الضفة الغربية التي كانت تحت الإدارة الأردنية وقطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية .
وهناك عشرات القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن تؤكد على الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ومن بينها عودة اللاجئين الفلسطينيين وإقامة دولة مستقلة وحق تقرير المصير، لكن تلك القرارات ظلت حبيسة الأدراج ولم تصدر كلمة تهديد واحدة للكيان الصهيوني بسبب تجاهله تنفيذها، بل على العكس، كان يحظى الكيان بدلال منقطع النظير من جانب الولايات المتحدة، التي غالباً ما كانت تستخدم حق الفيتو لتعطيل أي قرار ملزم، ولا تزال تمارس هذا الحق حتى اليوم، وآخر تلك الممارسات القرار الذي صدر في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، ولم تخجل الولايات المتحدة ولم تشعر بالتناقض وهي تمارس هذا الحق، في الوقت الذي ملأت الصحف تصريحات على ألسنة مسؤوليها ومن بينهم الرئيس باراك أوباما، بشأن ضرورة إعطاء الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة .
وبطبيعة الحال، فإن مصطلحات مثل (حق تقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة) نفهمها على غير ما يفهمها الأمريكيون والصهاينة، فهم يفهمون حق تقرير المصير على أنه العيش تحت الوصاية "الإسرائيلية" في دولة ليست ذات سيادة، وهي عبارة عن حكم ذاتي، أما نحن فنفهم حق تقرير المصير بأنه العودة إلى فلسطين من بحرها إلى نهرها .
إن أي قرار أممي يحتاج إلى ماكينة سياسية تتبناه وتعمل على تطبيقه، وتوفير الظروف الرسمية والشعبية له، إلا أن الماكينة السياسية الأجنبية والعربية ليست في حال يسمح لها بتشغيلها، بعد زرع الفوضى في العديد من الدول العربية، وشرذمة شعوبها، وإشعال نار الفتن الطائفية والمذهبية، وانتشار الحقد واللجوء إلى السلاح والحجارة والتفجيرات لحل مشاكلها، وفي ظل هذا المشهد المأساوي الذي يعيشه جزء مهم من الوطن العربي، والانقسام بين الفلسطينيين (دولة غزة ودولة الضفة)، ناهيك عن الانتماءات المتناقضة لكل منهما، كل ذلك يجعل القضية الفلسطينية في مرتبة متأخرة بعد أن كانت في سبعينات القرن الماضي أولوية قصوى .
القرار الجديد الصادر عن الأمم المتحدة لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يقدم ولا يؤخر، فكلما مد الجانب الفلسطيني والعربي يده ناشداً السلام، كلما قابلته الدولة الصهيونية بيد التخريب والتعجيز، وهذا ناتج عن التنازلات العربية والفلسطينية، والاتفاقيات التي وّقعت وأعطت الكيان الصهيوني شرعية عالية، قبل أن يحصل الفلسطينيون على حق واحد . وفي هذه الحالة، لا يقع اللوم على الصهاينة من باب أن اللوم لا يقع على العدو لأنه بكل بساطة عدو يسعى لكسب ما يستطيع، ويؤجل ما أمكن من قضايا مصيرية، ويلعب على الزمن، حتى وصل إلى زمن التشرذم العربي، ليس على المستوى الرسمي فحسب، وإنما على المستوى الشعبي، وكل قرار أممي وأنتم ( . . . . .) وكل واحد يملأ الفراغ بما يليق بالفراغ .