تنعقد قمة إفريقيا فرنسا بمدينة نيس غداً (الاثنين) الموافق 31 مايو/ أيار 2010 بمشاركة 50 رئيس دولة إفريقية، ويتزامن انعقادها مع حلول الذكرى الخمسين لاستقلال 14 مستعمرة فرنسية سابقة وهي بنين وبوركينا فاسو والكاميرون وإفريقيا الوسطى والكونغو برازافيل وساحل العاج والغابون ومدغشقر ومالي وموريتانيا والنيجر والسنغال وتشاد وتوغو، ويتصدر جدول أعمال القمة المشكلات التي تواجه القارة الإفريقية كالصراعات الداخلية والانقلابات وتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في ظل الفقر وتزايد عدد السكان والهجرة إلى دول الشمال وبطالة الشباب .
وقد ذكرت الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان، أن عدد سكان قارة إفريقيا قد تجاوز المليار نسمة، ومن المرجح أن يصل إلى الضعف بحلول عام 2050 . ووفقاً لتقرير حالة سكان العالم لعام 2009 الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، يبلغ عدد سكان دول وسط إفريقيا 7 .125 مليون نسمة، وعدد سكان دول شرق إفريقيا 318،8 مليون نسمة، وعدد سكان دول شمال إفريقيا 4 .209 مليون نسمة، وعدد سكان دول غرب إفريقيا 6 .298 مليون نسمة . كما أفاد تقرير صادر عن المكتب المرجعي للسكان ومقره بواشنطن بأن متوسط عدد النساء في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا اللاتي لديهن أطفال أكثر من عدد النساء في أي مكان من العالم، ومن المتوقع أن يصل عدد الشباب في إفريقيا إلى 349 مليون شاب في العالم .
وتشير الإحصائيات السكانية إلى أن عدد سكان المدن الإفريقية سيصل إلى نحو 742 مليون نسمة بحلول عام ،2030 بينما تعاني من نقص شديد في المساحات السكنية حيث يعيش 72% من سكان مدنها في بيوت من صفيح، ومن غير المحتمل أن يشهد سكان الأكواخ وبيوت الصفيح والبلاستيك أي تحسن في أوضاعهم . وقد خصّصت صحيفة لوموند الفرنسية افتتاحيتها للتعليق على تجاوز عدد سكان القارة الإفريقية المليار نسمة، مع أن إفريقيا تظهر في أغلب الأحيان كقارة منسية في مسيرة البشرية . وأضافت أن التزايد السكاني لإفريقيا الذي من شأنه أن يؤدي إلى الإسراع بتنميتها يظهر على العكس من ذلك كمرادف للفقر، وقالت إنه إذا لم يكن انخفاض معدل المواليد شرطاً كافياً لتحقيق التنمية، فإنه يبدو في جميع أنحاء العالم كاتجاه يوازي الإقلاع الاقتصادي، لكن هذه الحقيقة البديهية لا يشاطرها الساسة في إفريقيا . كما أن الإنجاب والأسرة يبقيان من المواضيع المحرمة في المجتمعات الإفريقية فهي ليست من مصلحة أي سياسي يسعى إلى كسب المزيد من الشعبية أن يتطرق لمثل هذه المواضيع وذلك لأن الثقافة الإفريقية التقليدية في الغالب ثقافة قريبة من الدوافع الغريزية والعواطف الفطرية عند الإنسان، لأن التقليد في جوهرها امتداد للبدائية .
وإذا أخذنا الانفجار السكاني في إفريقيا بوصفه أحد عوائق النهضة المأمولة وجدناه أحد التجليات الظاهرة للثقافة التقليدية، وإذا كان من المتفق عليه أن الإنجاب يحفز الإنسان إليه دافع فطري وهو دافع ضروري لبقاء النوع البشري يجعل الإنسان يستكثر منه، ولا يتوقف فيه عند حد ما لم يعقه عائق مادي أو عقلي، فإن هذا الدافع الفطري لا يمكن أن يفسر به وحده من قبل المجتمعات الإفريقية التقليدية على الإنجاب بغير حساب، كذلك من الواضح أن الثقافة التقليدية عامل جوهري في هذا السلوك اللاحضاري، فهي ثقافة ضاغطة ومهيمنة على وعي جماهيري متسطح لم يعرف ثقافة العقل الناقد المتسائل وربما لم يسمع بها ولهذا فتفكيره بواسطة عاطفته والعاطفة قصيرة النظر .
وإذا كانت الصحيفة الفرنسية تنظر إلى المشكلة من زاوية المجتمع الإفريقي ككل فإن المشكلة على مستوى الفرد والأسرة لم تُفهم بشكل دقيق . وكثيراً ما يُقاس الحاضر بالماضي وبينهما فوارق جوهرية . فعلى مستوى الدول وبالأخص الدول الإفريقية لم تكن البنى التحتية لأي دولة في الماضي على هذه الدرجة من التعقيد، فالحياة المدنية اليوم بطبعها لا يمكن أن تقوم أو تستقيم إلاّ في ظل منظومة متكاملة من البنى التحتية (شبكات الكهرباء والمياه وأنظمة الصرف الصحي والمواصلات والاتصالات والجهاز التعليمي) . وإذا كان النمو السكاني يتجاوز النمو العمراني، وهو ما يحدث في قارة إفريقيا فإن المنشآت لا يمكن أن تفي بالاحتياجات المتجددة، لأن متغيرات هذا العصر في جوانبه غير التقنية بل حتى في مفاهيم الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي وما يصاحب ذلك من تغيرات على المستويات الجيوسياسية بدأت ملامحها تبرز عصراً متميزاً عن عصور قريبة، ولا يزال البعض يجادل غير قانع بما يحدث من تغيرات، إما عجزاً عن فهم ما يحدث، لكون ما يحدث لا يتوافق مع مفاهيم سابقة بالرغم من أن الأرقام التي تخرجها دوائر البحث والإحصاء العالمية عن مستقبل إفريقيا تصيب الإنسان بمزيد من ضبابية المستقبل بل تقرن ذلك بالموقع الجغرافي الأكثر تخلّفاً في الطاقة الاقتصادية، فالأرقام واضحة ومخيفة إلى حد بعيد، وهذا القلق دق جرس الإيقاظ حيث تدلّ الأرقام على أن العالم الإفريقي ينزلق في مهاوٍ حضارية واقتصادية يمكن أن تجعله هامشياً في المستقبل المنظور مع حالة من الفقر والعوز الهائلة .
ولهذا يتحتم على الدول الإفريقية الوقوف الجاد عند الثوابت الحقيقية والبحث عن البعد الاقتصادي بشكل أكثر جدية مع التصميم على إدخال العناصر الخلاقة والفاعلة التي تؤدي إلى مزيد من الإضافات الحقيقية، والتغلب على عوائق التنمية . ومن أوضح الأمثلة على الأثر الإيجابي للعوائق ما حققه المجتع الياباني من ازدهار شامل فهو مجتمع معزول في أقصى الأرض يعيش في جزر كثيرة ومتناثرة وضيقة وذات تضاريس صعبة وموارد طبيعية شحيحة وكوارث متكررة، كما أنه المجتمع الوحيد الذي أحرقته القنابل الذرية وتتعرض أرضه باستمرار لزلازل مدمرة . فاليابانيون هم النموذج الأمثل للتغلب على العوائق فكأنهم بجزرهم الرجراجة الوعرة يعيشون في مركب تتقاذفه الأمواج، ولكنهم يعيشون بمنتهى الفاعلية فيجلبون إليه كل شيء من خارجه، لأن المجتمعات الواعية لا تضعفها العوائق بل تكون حافزاً لها على استنفار كل طاقاتها المدخرة، فتكيف الطبيعة وتخلق منها بيئة تلائمها وتتناسب مع متطلباتها . في الوقت الذي تملك إفريقيا كل مقومات الوجود الحضاري بدءاً من الثروة الهائلة التي تكنزها الأرض الإفريقية وانتهاء بالقيمة الأسمى وهي الإنسان .
* كاتب من الإمارات