التاسع والعشرون من أكتوبر/ تشرين الثاني 1956 سيبقى في ذاكرة الفلسطيني والعربي وكل ذي قلب وضمير غير ملوث في هذا العالم مع ندرة هاتين الصفتين في القلوب والضمائر. ذلك التاريخ حمل حكاية الموت إلى جغرافيا وادعة لم تتوقعه. فأبناء كفر قاسم فلاحون بسطاء، يزرعون ويجنون محاصيلهم على وقع الغناء البريء.
لكن البراءة والوداعة لا تمنحان صاحبهما حصانة من الموت سوى في مدينة أفلاطونية لا وجود لها، لكن ليس بالتأكيد في عالم آرثر بلفور وديفيد بن غوريون وجورج بوش، وربما باراك أوباما.
تسعة وأربعون شهيداً في مذبحة كفر قاسم، وبعد ثلاثة وخمسين عاماً، يجدّد كل منهم حكاية للنكبة وحلقات بلا نهاية لمسلسل الدم والصمت. دماء لا تزال تنز من الأجساد وتروي تفاصيل أبشع ما حمل القرن العشرين من مشاريع سلب الحياة من النوارس وإهدائها للذئاب في عتمة تلائم تماماً أيادي اللصوص.
من هم هؤلاء الجنود الصهاينة الذين أطلقوا النار، بلا وازع من رحمة أو ضمير، على الفلاحين والعمال وراكبي الدراجات الهوائية؟ لا يعرف العالم أسماءهم، ولا ضرورة في أن يعرف لأن الجندي مجرد زناد لبندقيته، كلاهما أعمى في عقيدة قادة يؤمنون بلا وعي العساكر في نظرية الحروب. اليوم، بالتحديد، الذي يحمل عبء الذكرى، وفي غمرة التلاطم الإسرائيلي بين جدران الصدى المرتد من تقرير غولدستون، يخرج بنيامين نتنياهو على مصدّقيه بلا تحفظ ليتحدث مرة أخرى عن الجيش الأكثر أخلاقية في العالم. سيجد من يصدّقه مثلما وجد أرئيل شارون من يمنحه لقب رجل السلام، ولا نستبعد أن يحصل هذا الجيش جائزة نوبل للسلام عام 01_B. هذا الجيش الأكثر أخلاقية سجل في مسيرته مآثر في الحرب على خزانات مياه الشرب، وفي ملاحقة الأطفال الفلسطينيين المدججين بحجارة الدمار الشامل بين الحواري والأحياء وفي أحضان أمهاتهم. وهو الجيش نفسه الذي ارتكب المجازر في فلسطين ولبنان ومصر.
هذا الجيش الأخلاقي جداً هو نفسه منفذ المذبحة التي يحيي الناجون منها ذكرى استشهادهم مع وقف التنفيذ، ولا يزالون يقرأون كل عام ذلك الحوار الذي كشفته الوقائع اللاحقة بين القادة وضباطهم، والضباط وجنودهم.
ماذا سيكون مصير الفلسطيني العائد من عمله من دون علم بأمر حظر التجول؟ -الله يرحمه. ماذا سنفعل بالمصابين؟ لن يكون هناك مصابون. وماذا عن مصير النساء والأطفال؟ الجواب: بلا عواطف. هذا ليس حواراً في مقهى، بل حواراً بين قائد أحد الألوية وقائد وحدة تسمى حرس الحدود، ثم بين أحدهما وجندي.
شمس التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول تشرق على كفر قاسم من بين جبال الضفة، تمضي نهارها حزينة وتغطس في المتوسط، فيمر اليوم بلا صباح الخير ولا مساء النور، وينام الفلاحون وهم يرددون لدرويشهم وأنا يا كفر قاسم، أنا لا أنشد للموت ولكن ليد ظلت تقاوم، والذي في القلب في القلب ومن جيل لجيل، فاملأوا الدنيا هتافاً لا يساوم، كفرقاسم: دمك المهدور لا زال ولا زلنا نقاوم.