أصحاب شروح الدواوين الشعرية في ميراثنا الثقافي يهدون إلينا ألواناً من الدعابة مجاناً . بارك الله فيهم . يفسرون غريب اللفظ، تماماً مثل المعاجم اللغوية . يكررون معنى البيت بطرائق غير التي جرت نصاً على لسان الشاعر، ولكن من دون فائدة إضافية، ولا يأتون بجديد، تماماً مثل قرارات الجامعة العربية أيام كنا نسمع لها صوتاً . باختصار: تنفخ الشروح نفاخة الشرح، والنتيجة احترام من قبل القارئ غير المتروي، والمؤمن غرّ كريم .
الشعر ذوّاق لبّاس . وليس له سوى جبة أو جلباب واحد مثل حافظ إبراهيم . الشعر يغيّر الثوب واللون حسب الأزمنة والعصور . وهو يصمم أزياء عجيبة يترك أشكالها وطولها وقصرها وألوانها وإكسسواراتها للمتلقي . والقارئ ظريف هو الآخر، يضيف الإسقاط من خلال ظرفي الزمان والمكان، والقراءة بين السطور، والإشارات والتنبيهات . ومثل رجال التحقيق في أنظمة طبائع الاستبداد، يقول المتلقي صاحب النص ما لم يقل، وأحياناً يقوله: ما يجب أن يقول، ولا يهم أن يكون ذلك في ضرره . فالمعرّي في نظر بعضهم من هؤلاء اشتراكي، وفي نظر آخرين زنديق . أو مثلما قالوا في أبي حيان: أشار ولم يصرّح .
ظروف التحولات العربية أنبتت أشواك الشكوك في غابة الدماغ عند إعادة الاستمتاع بالتراث . في لمح البصر صاح الذهن: قف، فهذا البيت لأبي الطيب ليس عادياً . وأمر حضرة جناب التأويل بالإلقاء بجميع الشروح جانباً . قال: هذه النظرة نظرية سياسية فاحصة مهربة أو مسربة في بيت .
يقول أبو الطيب: ومن يجعل الضرغام صيداً لبازي . . تصيّده الضرغام في ما تصيّدا . لله در شاعرنا . إنه بمنظار عجيب استطاع رؤية التحولات العربية وملابسات ما قبلها . أنظمة طبائع الاستبداد توهمت أنها وضعت أو ستضع القوى الغربية في جرابها، ونسيت شعوبها .
تصوّرت خطأ أن القوى ملك بنانها، صقور أو كلاب صيد . فكانت النتيجة أن التهمتها أو نهشتها السباع . تلك السباع .
لزوم ما يلزم: في انتظار جديد المتنبي، سلام على التراث، ولكن جدّدوا الشروح .
[email protected]