كوميديا غير شكسبيرية

01:24 صباحا
قراءة دقيقتين
قد يكون بلير أول رئيس وزراء في تاريخ بريطانيا تتداعى هيبته أمام مغني البوب ورسام الكاريكاتور والمحلل السياسي وأخيراً كاتب المسرح والممثلين.وبالرغم من كل المآخذ البريطانية على تشرشل الذي كوفئ بقدر ما عوقب وجورج لويد أو حتى تاتشر التي غادرت المسرح بعد توريط بلادها في أكثر من أزمة، فإن السخرية لم تبلغ هذا المستوى الذي بلغته إزاء بلير.والمسرحية التي استضافت بلير في برودوي ساخرة رغم ما يقوله مؤلفها وأبرز ممثليها عن تقديرهم لرئيس الوزراء الذي كافأه بوش بمنصب مبعوث الرباعية، إلا أن المسرحية تندرج في خانة الكوميديا السياسية، وقد طلب مؤلف المسرحية من بلير شخصياً أن يمثل دوره في المسرحية، مثلما طلب من وريثه براون أن يفعل ذلك، لكن الاثنين اعتذرا لأن ما يمثلانه على مسرح السياسة يكفي، ولا حاجة بهما إلى المال أو الشهرة، اللذين يحظى بهما نجوم هوليوود وبرودوي.فقد باع بلير مذكراته بتسعة ملايين دولار وهذا ما سيفعله براون أيضاً عندما تأزف اللحظة، فالساسة المتقاعدون في أوروبا والولايات المتحدة يستثمرون أسماءهم وليس خبراتهم في وظائف استشارية ذات مردود مادي كبير.ومنهم من يضع نفسه في خدمة شركة إعلان أو يحترف التجوال لإلقاء محاضرات كما فعل الرئيس كلينتون الذي بلغت ثروته أكثر من أربعين مليون دولار ثمناً لمحاضراته، رغم أن القيمة الفعلية لتلك المحاضرات لا تقارن بما يقوم به أكاديميون بارزون منهم أساتذة علموا كلينتون نفسه في جامعة جورج تاون.أما الدور الأكثر إثارة للسخرية فهو دور كامبل الذي يذكرنا بدور سانشوا في رواية دون كيشوت أو قفة في حكايتنا التراثية عن التبريزي وتابعه.ومعروف عن بلير أنه أثار استنكار أوساط بريطانية بتكاليف التجميل والمساحيق المصنوعة خصيصاً للرجال، لكن سيرة بلير لم تكتب كاملة حتى الآن، لأنه ببساطة لا يزال على قيد الحياة، ورغم أنه تتلمذ على مفكر تنسب إليه نظرية الطريق الثالث إلا أنه بقي أسير الطريق الثاني، فقد ألحق لندن بضواحي نيويورك حاذفاً لا المحيط فقط بل كل المسافات السياسية، فبريطانيا الصغرى ليست لها متطلبات وبروتوكولات بريطانيا العظمى التي غربت الشمس عن ملكوتها الكوني، وعاد الطاووس إلى لحمه الحقيقي وحجمه الصغير في جزر تعاني من انتهاك آلاف آلات التصوير في الشوارع والساحات وحتى البيوت، بحيث بدت نبوءة أورويل عن الأخ الأكبر كما لو أنها تحققت، لكن في مكان آخر غير الذي حدده أورويل قبل ستة عقود.وقد يشارك بلير النظارة في الضحك البارد على المشاهد التي يقدمها ممثل يتقمصه، ويحاول قدر الإمكان أن يضعه في الإطار الذي يستحقه، لأن المناصب السياسية الكبرى تضلل الناس، وتجعلهم يصدقون أن الباشا ليس رجلاً ككل الرجال.كاتب المسرحية جورج وامارتن، لا يعرف من هو المعيدي في تراثنا العربي، ولو كان يعرفه لقال، إن السماع بالمعيدي خير من رؤيته، ولو كان يعرف ابن المقفع لقال إن حامل الذكر خير من صاحب الذكر الذميم.وباختصار فإن بلير ليس واحداً من شخوص شكسبير كما أنه سيذكر ذات يوم باعتباره عاش في زمن هارولدبنتر.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"