عاشت مصر يوم السبت الماضي 13 ساعة من أجمل ساعات تاريخها، عندما خرجت جموع الشعب للتصويت على التعديلات الدستورية إلى درجة عجزت لجان الاقتراع عن استيعابها . ورغم مدّ فترة التصويت، فإن الوقت لم يكن كافياً لالتهام صفوف الناخبين طويلاً، ليتشاجر الناس من أجل التصويت والسماح بزيادة فترته، بعد أن كان الشعب يقضي أيام انتخابات 99،9% التي خلت، في النوم أو مشاهدة التلفاز .

لقد أثبت هذا الشعب مرة أخرى أنه شعب حي أراد الحياة فاستحقها، وأثبت كذب دعاوى عدم جاهزيته للديمقراطية، كما كان يردد رموز العهد السابق، ليسطر تاريخاً جديداً لنفسه، ما ينعش الآمال في استعادة مصر لدورها ومكانتها الإقليمية والدولية، بعد عقود من التقزيم والتراجع، بشكل يفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة المنطقة سياسياً .

وتستحضر صور هذا العرس الديمقراطي الذي عاشه المصريون، بعد حصولهم على حقهم في انتخاب حر للمرة الأولى، قصة مصر مع الدستور، إذ إنها جديرة بأن تشكل نموذجاً لمصير كل من يحاول العبث بالناموس الذي يشكل أساساً للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، حيث كانت النهايات المأساوية من نصيب هؤلاء العابثين بالدستور، بشكل يمكن أن نطلق عليه لعنة الدستور .

وتبدأ قصة لعنة الدستور مع رئيس وزراء مصر الأسبق إسماعيل صدقي الذي أبطل دستور ،1923 الذي أيده الوطنيون، ليضع بدلاً منه دستور 1930 على مقاس الملك فؤاد الأول، وعندما راح صدقي ضحية ما تمتع به الملك من سلطات واسعة بحكم ذلك الدستور، انقلب صدقي عليه وانضم إلى المطالبين بإعادة إحياء دستور ،1923 بعد أن قدم كل الحجج قبل ذلك على عدم مناسبته لأوضاع المصريين .

وفي 1956 تم إعلان الدستور ليتم تأسيس أول مجلس نيابي على أساسه في ،1957 ثم الإعلان عن دستورين مؤقتين (1958 و1964)، ليعلن الرئيس الراحل أنور السادات مع توليه السلطة في مصر دستوراً جديداً دائماً يرسخ الحكم الفردي هو دستور ،1971 وزاد من نفوذه وصلاحياته وطول عهده بتعديلات 1980 الخاصة بمدد الرئاسة وجعلها مفتوحة، ليتم اغتياله من دون أن يتمتع بالتعديلات، ليستفيد منها خلفه حسني مبارك .

وعندما قام مبارك بالعبث بدستور 1971 بشأن المادة 76 الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية سنة 2005 ثم تعديلها مرة أخرى في ،2007 ليتم تفصيلها على ولده جمال، تمهيداً لتوريثه، كانت نهاية حكم مبارك باندلاع ثورة 25 يناير والمطالبة بدستور جديد .

لقد أصابت لعنة الدستور كل من حاول العبث به، ليزيد من سلطاته واستبداده وتسلطه على الشعب، وأصبح عبرة، لكن يبدو أن من لحقوا بصدقي لم يتعلموا ولم يعوا الدرس جيداً، ويدركوا أن للدستور شعباً يحميه .

والحقيقة أن ما حدث مع الدستور المصري شكل درساً لبقية النظم السياسية في المنطقة التي تواصل نفس النهج، حيث إنها معرضة لنفس المصير، ونحن نرى ما يحدث في اليمن بعد العبث في الدستور، وقبلها في تونس، فهل تعي ما تبقى من نظم، الدرس وتحسّن من فرص بقائها، أم تواصل الجمود حتى السقوط؟

[email protected]