كان أحد المعلمين في الصفوف الابتدائية في لبنان يدرّس تلامذته قواعد كتابة أسماء العلم باللغة الفرنسية . وبعدما شرح لهم بأنّ الحرف الأوّل من اسم العلم يفترض أن يتّخذ شكلاً كبيراً أي Majuscule وهو يقع دوماً في بداية العبارات، ويختلف عن شكله العادي minuscule الصغير جدّاً، راح يطلب منهم تطبيق القاعدة، حيث أخذ التلامذة يكتبون أسماء الدول بالحرف الكبير: فرنسا La France، أمريكا LAmerique، لبنان Le Liban . . . إلخ . وعندما طلب المعلّم من أحدهم كتابة سوريا بالفرنسية رفض كتابة الحرف الأوّل منها بشكله الكبير، وكتبها على هذا الشكل la syrie، وبعنادٍ خجول واحمرار، رمى التلميذ الصغير الطبشورة منصرفاً إلى مقعده صارخاً: أنا لا أحبّ سوريا! روى لنا هذه القصة، في العام ،1977 صحافي لبناني في باريس وكنّا مجموعة من أساتذة الجامعات والكتّاب والصحافيين والسياسيين نجتمع إلى وزير الإعلام السوري آنذاك أحمد إسكندر أحمد في مكتب نبيل الخوري رئيس تحرير مجلّة المستقبل في باريس التي باشرت صدورها من العاصمة الفرنسية، قبل أن يشتريها الرئيس رفيق الحريري وتصبح تيّاراً سياسياً وجريدة ومحطة تلفزيونية . وعلى الرغم من أنّ القصة كانت فجّة، إذ ظهرت قساوتها على وجه الوزير السوري كما على وجوه بعض الحاضرين، فإنها كانت بالنسبة إليّ تفاحة نيوتن التي جعلتني أشدّد بأكاديمية مطلقة، على أنّ العلاقات اللبنانية السورية، ومعظم العلاقات الدولية التي تعلّمناها ونعلّمها، يفترض أن تبدأ من بين شفتي هذا التلميذ الصغير، لا كما تعلّمناها ونعلّمها وفقاً لمقولات ميكيافللي في كتابه: الأمير، أو وفقاً للمصالح الضيّقة التي لا علاقة لها بالمثل والقيم والأديان والوقائع والانقلابات في علاقات الدول، كما في علاقات السياسيين . نقول هذا تلميحاً للمثل والقيم الدينية السامية في العصر الذي يستوي فيه الدين الإسلامي فوق كراسي الحكم في الكثير من الدول العربية التي تشهد تحولات كبرى . ولأنّ التجربة اللبنانية في لبنان تدفعنا إلى القول، على سبيل المثال لا الحصر، إنّه مهما ورد في الدساتير والقوانين المعدّلة من كلام عن نهائية لبنان أو عروبته بلسانه أو بوجهه أو بتوجهه، فإنّه كلام لا مضمون له ولا معنى أو ترجمة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية له، كما يبدو، خارج أطر استراتيجيات التربية والتعليم أي الأسس الثابتة في ثقافة الانتماء أي في ثقافة بناء الأوطان .

وفي اليوم التالي لمغادرة السوريين لبنان في 26 من إبريل/ نيسان 2006 غابت الفضائية السورية كلّياً من لائحة الفضائيات الكثيرة التي توزّع بالكابل على البيوت في الكثير من المناطق اللبنانية . عبثاً حاول البعض إقناع موزّعي المحطات بإعادة الفضائية، لكن لملمة الاعتذارات والتذرعات والحجج التي كان الناس يتناقلونها، كانت تخفي قناعات ومشاعر وتعليقات تجعل العاقل يرتجف حتماً لما ستؤول إليه العلاقات بين البلدين من سوء . قال يوسف وهو قصّاب سوري يعمل لدى أحد المتنفّذين، إنّه محمي ويعرفه أهل الحي الذي يقطن ويعمل فيه ويحبونه مهما حصل، وحتّى لو كان الأمر عكس ذلك، فهو يختار الخطر والموت في لبنان بدلاً من المغادرة تحت وطأة الضغوط الدولية والشتائم وردود الفعل المرتجلة من بعض اللبنانيين . ويوسف يفهم، كما قال، بلغة اللبنانيين، إذ ساعدته مهنته في بيع اللحم من الإصابة في قياس الناس وتصنيفهم في لبنان والعالم، حيث إنّ قسماً كبيراً من مواقف هؤلاء هو من فصيلة الطحالات والقصبة السوداء والأدران والأمعاء التي سرعان ما تفسد فتنبعث روائحها قبل الفصيلة الثانية التي عنى بها فصيلة اللحم والعضلات . والغريب، كما قال، أنّنا نرمي الفصيلة المعمّرة والصلبة سواء أكان الأمر في بيع اللحم أم في ممارسة السياسة، مع أن الفصيلة الثالثة أي فصيلة العظم تعيش صلبة مئات بل ألوف السنين كما الإمبراطوريات . فكيف نبني في ضوء ذلك إذاً، علاقاتٍ مميزة ولها صفة التمايز والصمود والثبات بين بلدين وتحديداً بين لبنان وسوريا والبلدان العربية الأخرى؟

يبدو الأمر لافتاً وصحيحاً في بناء العلاقات الدولية المميزة التي لا تترسّخ ما لم تَرْعَهَا حكمة العظم/العظام من المفكّرين والكتّاب والناس لا من أهل السياسة وحسب، فالمسألة الثورية والتغييرية تكاد تكون مستحيلة من دون فكرٍ يتأسّس عليها، وخصوصاً في البلاد المحكومة بحصرية السياسة والمناصب والتمثيل في الإقطاع والعائلية والمذهبية، حيث لا حلّ إلاّ بالتركيز على التربية والإعلام والزمان! كيف نفهم العلاقات اللبنانية السورية في ضوء هاتين القصتين وقصص مماثلة يومية لا تنتهي وصولاً إلى القصص التي هي على علاقة بتوقيف الوزير والنائب السابق ميشال سماحة، أو بقصص الخطف والخطف المضاد بين بعض السوريين وبعض اللبنانيين؟

من العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا، إلى علاقات التنسيق والتعاون بينهما، إلى علاقة ربط المصير والمسار السوري اللبناني، إلى التمثيل الدبلوماسي، إلى فصل المسارين بين البلدين والمطالبة بطرد السفراء، تكون العلاقات اللبنانية السورية قد رجّحت في تاريخها المعاصر خلال أكثر من أربعة عقود، مستويات ثلاثة من العلاقات يمكن اختصارها، على الأقل من الزاوية السياسية والاقتصادية اللبنانية، بالمصطلحات المصلحية الآتية: الاستقواء والاستعداء والاستجداء، وكلّها مصطلحات تفتقر إلى الثبات في الرؤية والممارسة واستقرار المستقبل . صحيح أنّها مصطلحات لها جذور داخليّة لكنها ذات جذور خارجية خطرة يمكننا أن نعيدها إلى مناخات سايكس وبيكو . تلك مصطلحات نفترض بأنها تفسّر معانيها ببساطة كلية ويمكن لأي مواطن لبناني أو سوري أو عربي أن يسهب في شرح هذه المصطلحات والمفاهيم من ضمن سرد التجارب والقصص والروايات والممارسات والسلبيات، لكنّ المشقة الوطنية في مستقبل العلاقات العربية العربية بشكلٍ عام، تبقى المعضلة الفعلية المرهونة بمصطلح أساسي رابع هو في جوهر فهم البناء اللبناني والسوري والعربي في زمن تحويل الدساتير وتصويبها وتعديلها مع مقتضيات التفكّر بمستقبل مصطلح الانتماء في الديار العربية .

لماذا؟ لأنّه لم يبق لنا سوى اللغة، ولأنّ كلمة علاقة هي من فعل (علق)، تحمل في منجد العرب، معاني المحبة والشغف والارتباط والصداقة والانتماء . ومنها يشتق مصطلح (العقل) الذي يعني الفهم والتدبير لأنه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، فيضع العاقل عقالاً عربياً، كي يسمح له بالوقوف في صفّ الحكماء والعاقلين، كما يشتق منها، في المقابل، مصطلح (اللقع) الذي يعني لدغ الآخر ورميه بالكلام الكثير والأحمق المعيب والفحش في النبرة والعمل على التغلّب عليه . كما يشتق منها مصطلح (اللعق) الذي يعني خفة الإنسان ونزقه وسرعته في ما يطلق من كلام وأحكام ومواقف، وهي كلمة يشتقّ منها أيضاً (القلع) الذي يعني استئصال الشيء من جذوره وتحويله عن موضعه والسير به متعثراً كمن يركض فوق منحدر، وتورث أخيراً وفقاً للاشتقاق اللغوي الثلاثي (القعل) الذي يعني الانشقاق عنه والتناثر مثل أكوام الوبر تهرّ من بعير . تبدو العلاقات السورية اللبنانية والسورية العربية محكومة إلى أمدٍ بعيد بأسطورة سيزيف الدموية هذه المرّة، التي لا يمكن تجاوزها إلاّ عن طريق مداواة الجراح التي تعصى دماؤها على اليباس! وبعد ذلك نمسك بيد الأطفال العرب لكتابة أسماء عواصمهم وأوطانهم ومدنهم بالحروف الكبيرة .