إعلان أحد النواب الليبيين أن رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) يعتزم الاستقالة من منصبه امتثالاً لقانون العزل السياسي، يطرح تساؤلات عدة عن أسباب شغف القوى السياسية المنبثقة من الربيع العربي بكل ما هو إقصاء وعزل واجتثات، وكأن اعتماد هذه السياسة فقط هو الكفيل بنقل الشعوب المعنية من دائرة التخلف إلى عصر مثالي ليس له نظير .
وما يُروّج في ليبيا نجد جماعة الحكم في تونس ومصر تلهث وراءه وتجتهد لخلق مبرراته من أجل تطبيقه . والكل يزعم أن إقصاء السابقين هو أساس البناء الجديد، ولكن لا أحد فكر في مصير الدولة التي تستمر بتعاقب الأجيال والسياسات وليس بالقطع الجذري والتمييز السياسي والطائفي وأحياناً القبلي والمناطقي . والمشكلة تعظم حين يدعي من أوصلهم تقلّب الظروف إلى السلطة، أنهم آباء الثورات ومفجروها، وأغلبهم بعيد من هذا الشرف الذي يعود في الأصل إلى شباب طامح إلى الأفضل وثائر على كل البنى السياسية التقليدية ومنظومات الفساد والمحسوبية والتسلط الاستبدادي . وبعد التجارب الثورية القصيرة بدت هناك مؤشرات إلى عودة المنظومات السابقة بألوان مختلفة وبسياسات ناعمة . وما يُعزز هذه المؤشرات ما يُمارس من خطاب ثأري على كل ما يمت إلى الأنظمة السابقة بصلة، ويؤسس في الوقت ذاته إلى أنظمة جديدة تتحلى بأجمل ما في الفلسفات السياسية من قيم وجواهر . ومن خلال ما يُقال ويُعلن، يتبين أن هناك إصراراً على المقارنة بين ما قبل الثورة وما بعدها، في سياق مفاضلة لا واقعية في أحيان كثيرة .
ومع التسليم بأن الفساد كان موجوداً ومتمكناً من الأنظمة المخلوعة، إلا أن ما يتم تصويره من قصص يفوق الوصف، ليس إلا شحناً سياسياً من أجل خلق أرضية جديدة لا تضم أيّاً من المنافسين على السلطة . وإذا كان هناك بالفعل جيش من الفاسدين، كما يقولون، فلماذا لم تظهر القضايا على الملأ؟ وأين هي الملفات؟ ولماذا برّأ القضاء العديد من المشتبه بهم في قضايا نهب وحتى متهمين بقتل ضحايا المظاهرات؟ . . غياب الأجوبة الواضحة عن كل هذه النقاط يضع نهاية سريعة لحبال التضليل القصيرة، ويُعجّل بصحوة جديدة تجتاح بلدان الثورات لتعيد الربيع العربي يمشي على قدميه عوض أن يسير مقلوباً على رأسه .
أحدهم قال إن الفقر والبطالة كانا وراء تفجير الثورات العربية، وهذا صحيح، ولكن عندما تكون الحصيلة الماثلة الآن هي استفحال للفقر والبطالة وفوقهما الإرهاب والتكفير والتهجير والنزعات الطائفية، يعني أن هناك خللاً ما وخطأ مستمراً لم يقع استئصاله بعد . والاستئصال ليس هو الإقصاء والعزل، كما يذهب إليه القائمون على الحكم في مصر وليبيا وتونس، وإنما هو البحث عما هو مشترك والبناء عليه . ومثلما لم يكن مجدياً للأنظمة السابقة تجفيف منابع المعارضين، فلن يكون طيباً للحكام الجدد الاجتثاث بالجملة لخصومهم، لأن ذلك سيضعهم في مصيبة . والأيام دُوَلٌ، ومن يقرر أن ينفذ عقوبة جماعية ضد فئة، فلن يسلم من شرها في مقبل الأيام وقد يكون ضحيتها الكبرى .