معايير “جديدة” للسلام والديمقراطية

02:14 صباحا
قراءة 4 دقائق

يبدو أن الأمريكيين والإسرائيليين عازمون على الإطاحة ب الأسس النظرية لعلم السياسة ويشاركهم في هذا بعض الأتراك من خلال السعي الى نسف مفاهيم ومعاني الكثير من الأمور المتعارف عليها بين علماء السياسة واستبدالها بمفاهيم ومعان أخرى بديلة تخدم أغراضاً سياسية بعينها، الأمر الذي يهدد معظم ما يسمى القيم السياسية على وجه الخصوص ويشوه مفاهيمها ومعانيها.

فإذا كان الأتراك، أو بعض من يوصفون بأنهم غلاة العلمانية التركية يسعون، في سبيلهم الى الاستئثار بالسلطة السياسية دون غيرهم من القوى السياسية المنافسة، الى فرض مفهوم بعينه للعلمانيين بتجاوز حدودها المتعارف عليها، وهي علمانية السياسة او علمانية الدولة، بما يعني إبعاد الدين عن السياسة، ورفض مفهوم الدولة الدينية، الى فرض علمانية المجتمع، أيضاً بمعنى إبعاد الدين أيضاً عن حياة الناس، وعاداتهم وتقاليدهم من مأكل وملبس مثل رفض حجاب المرأة وغيره، ورفض أن يسعى حزب العدالة والتنمية الى تأييد حق المرأة في ارتداء الحجاب، وتوظيف ذلك في معركة تصفية الحزب، فإن الأمريكيين يقدمون هذه الأيام مفاهيم جديدة للسلام وللديمقراطية بمشاركة إسرائيلية لا تقل خطورة.

مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد وولش تحدث منذ أيام في بيروت، لمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتدمير السفارة الأمريكية في العاصمة اللبنانية، مؤكداً رفضه حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى بلادهم، عندما قال إنه لا يؤيد التوطين وإن اللاجئين الفلسطينين لهم الحق في العودة الى الدولة الفلسطينية أي جعل حق العودة محصوراً فقط في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يخدم فكرة أو وعد الرئيس الأمريكي جورج بوش بجعل إسرائيل دولة يهودية والحيلولة دون عودة اللاجئين الفلسطينيين اليها مرة أخرى، وهذا التصريح يكشف دون أي التباس المفهوم الأمريكي الحقيقي للسلام. فإذا كان الكونجرس الأمريكي قد اتخذ قراراً، منذ سنوات بنقل السفارة الأمريكية الى القدس بما يعني الاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيوني فإن بوش وديفيد وولش ضد حق عودة اللاجئين الى بلادهم، أي أن السلام بالمفهوم الأمريكي يعني رفض حق العودة، ومع جعل القدس عاصمة موحدة للدولة العبرية، ناهيك عن رفض الانسحاب الى حدود ما قبل الخامس من يونيو/حزيران ،1967 وهي، في مجملها القضايا الأساسية الخلافية الآن في عملية التفاوض المتعثرة، والتي بسببها، تسعى الإدارة مع حكومة الكيان الى التنصل من وعد إقامة الدولة الفلسطينية في نهاية هذا العام،

وفقاً لما اتفق عليه في اجتماع

أنابولس (نوفمبر/تشرين الثاني 2007).

هذا المعنى أعاد تأكيده المدعو آلون بن مائير الاستاذ بجامعة نيويورك في كلمة أمام منتدى الدوحة الثامن للديمقراطية والتنمية وهو - على ما أعتقد - ان لم يكن إسرائيلياً فهو أمريكي مزدوج الجنسية أو أنه يهودي صهيوني على الأقل.

ففي معرض إعلان تأييده لمبادرة السلام العربية التي ستجعل من وجهة نظره، أعلام إسرائيل ترفرف في سماء 22 دولة عربية، طالب الشعب الفلسطيني بالتخلي عن حق العودة وقبول التوطين في الدول التي يقيمون فيها، حيث ان عودة اللاجئين الفلسطينيين من وجهة نظره، تعني تغيير الخريطة الديموجرافية ل إسرائيل، الأمر الذي لن يسمح به الإسرائيليون، مبيناً أن التوطين حل رئيسي لهذه المشكلة، هو إذن يريد مبادرة السلام العربية من دون حق العودة، وهو ما كانت تطالب به كوندوليزا رايس العرب قبيل وبعد القمة العربية في الرياض (مارس/آذار 2007)، عندما تبنت تلك القمة توصية تطالب بإعادة تفعيل مبادرة السلام العربية.

التشويه نفسه أخذ يمتد الى مفهوم الديمقراطية، فإذا كان القتل والتدمير وضياع دولة وشعب في العراق عملاً ديمقراطياً من وجهة نظر ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الذي ذهب الى بغداد ليشيد بالديمقراطيين احتفالا بالذكرى الخامسة لاحتلال بلاده للعراق، فإن تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية، طالبت في منتدى الدوحة الثامن للديمقراطية والتنمية بفرض مفهوم جديد آخر للديمقراطية عندما نادت في كلمتها، بفرض مجموعة من المعايير الدولية تسمح حسب رأيها بإجراء انتخابات ديمقراطية تحجب وصول من أسمتهم المتطرفين الى السلطة، وقالت ان الهدف من وضع ميثاق دولي للانتخابات هو أيضاً، حماية للديمقراطية ممن يسعون الى تدميرها، مفهوم اقصائي للمنافسين وانتقائي لمن لهم حق المشاركة السياسية، بما يعني تدمير كل معنى للديمقراطية، وهذا ما تقوم به إسرائيل في تجربتها الديمقراطية، كما فضحه عضو الكنيست عن عرب فلسطين النائب أحمد الطيبي وتعرض بسببه لحملة تشويه ضارية داخل الكيان.

الطيبي، تعمد بسبب هذا التشويه فضح تسيبي ليفني والديمقراطية الإسرائيلية، أمام الجلسة الأخيرة لمنتدى الدوحة الثامن للديمقراطية والتنمية ما يكشف عن ملاحقة إسرائيل له بعد كشفه لزيف ما تحدثت به ليفني أمام المنتدى عن ديمقراطية اسرائيل. وقال إنني ألاحق بسبب التجرؤ على مواجهة ليفني بطرح مختلف، ينفي أن اسرائيل هي واحة الديمقراطية وأن هناك مساواة بين جميع المواطنين.

في مداخلته التي فضح فيها ديمقراطية إسرائيل قال الطيبي إنه يمثل 20% من سكان اسرائيل، هم عرب يعانون من سياسة التمييز العنصري وإن هناك ثلاثة أنظمة للحكم في اسرائيل، واحدة ديمقراطية مطلقة لليهود، والثانية تمييز عنصري ضد العرب في كل نواحي الحياة (الأرض، المسكن، التعليم، الصناعة، الزراعة)، والنظام الثالث هو الاحتلال والفصل العنصري ضد الفلسطينيين من قضاء منفصل وشوارع منفصلة، وجدار الفصل العنصري المصادر لمصلحة اليهود، وإنه طبقا لكل

التعريفات الدولية هذا هو نظام التمييز العنصري.

حقائق كشفها الطيبي ربما يدفع حياته ثمناً لها أو يطرد بسببها خارج الكيان في جريمة سوف يصنفونها بأنها من أجل دعم السلام والديمقراطية.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"