صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد السعيد إدريس
كاتب
أحدث مقالات محمد السعيد إدريس
8 مايو 2026
حكومة العراق.. وخطر الانسداد السياسي

السؤال الذي يشغل العراقيين منذ اختيار قوى «الإطار التنسيقي» الذي يُعتبر الكتلة الانتخابية الأكبر في البرلمان العراقي، علي فالح الزيدي رئيساً للحكومة العراقية الجديدة بتكليف من نزار آميدي رئيس الجمهورية الجديد هو: هل الأزمة التي تواجه الزيدي في مهمة تشكيل الحكومة الجديدة بسبب صراع الأحزاب والقوى السياسية العراقية وعلى رأسها أحزاب وقوى «الإطار التنسيقي» على تقاسم الحقائب الوزارية يمكن أن تتحول مجدداً إلى «انسداد سياسي» على نحو الانسداد الذي عطل لأشهر مهمة اختيار رئيس الجمهورية ومن ثم مهمة اختيار رئيس الحكومة؟

الإجابة عن هذا السؤال ذات شقين، الأول يخص صراع الأحزاب والقوى السياسية على الحقائب الوزارية وخاصة الوزارات السيادية، والثاني وهو الأهم، فيخص توازن القوى الجديد بين إيران والولايات المتحدة داخل العراق.

بالنسبة لصراع القوى والأحزاب السياسية العراقية، سواء على المستوى العراقي العام، أو على مستوى «الإطار التنسيقي» المكلف من رئيس الجمهورية (رجل الاتحاد الوطني الكردستاني)، فإن هذا الصراع تحكمه الأطماع والمنافع العامة والخاصة، وعلى نحو ما، قبلت أحزاب وقوى «الإطار التنسيقي» بمراجعة اختيارها ل «نوري المالكي» لتشكيل الحكومة الجديدة، والتوصل عبر مشوار طويل شديد الإرهاق من الصراع والتنافس، إلى اختيار «مرشح تسوية» هو علي فالح الزيدي، بعد التراجع عن دعم مرشحين آخرين على نفس المعيار (أي مرشح تسوية) مثل باسم البدري وإحسان العوادي، فإن الإطار التنسيقي سيقبل في نهاية الأمر بالوصول إلى «تشكيلة تسوية» للحكومة الجديدة، ترضي كل الأطراف، ربما من خلال العودة مجدداً إلى ما يعرف بالآليات القديمة على قاعدة «تحاصص المناصب الحكومية»، وحساب النقاط الذي يعتمد على حجم التمثيل البرلماني بالنسبة لكل منصب، وتعتبر العودة إلى هذه الآليات المقيتة مجدداً، انتكاسة كبرى لطموحات إجراء تغييرات جذرية بعيداً عن المعادلات التي فرضها الاحتلال الأمريكي على العراق.

العراق الذي فرض قاعدة «المحاصصة السياسية» بين المكونات العراقية الكبرى الثلاثة: الشيعة والسنة والكرد، وفَرض نفس القاعدة على توزيع المناصب الوزارية وفقاً لوزن كل حزب داخل البرلمان، أي عدد النواب الذين يمثلونه داخل البرلمان.

فعلى سبيل المثال يحتاج الحصول على منصب رئاسي مثل رئاسة الجمهورية أو البرلمان أو الحكومة إلى نحو 15 نقطة، أي ما يعادل 30 مقعداً برلمانياً، في حين يحتاج الحصول على وزارة سيادية مثل النفط أو الخارجية إلى نحو 5 نقاط، أي ما يعادل نحو 10 مقاعد برلمانية، في حين تحتاج الوزارات غير السيادية مثل الثقافة أو الإعلام أو الزراعة أو الصناعة إلى 4 نقاط، أي نحو 8 مقاعد انتخابية، ما يعني أن تكليف أي شخص بمنصب وزاري لا يعود إلى ما يمتلكه من قدرات أو تخصص وكفاءة ونزاهة بقدر ما يعود إلى الحزب الذي ينتمى إليه، ووزن هذا الحزب في المعادلة السياسية المشوهة، ووزن هذا الشخص المرشح داخل حزبه، وما يعني أيضاً أن القوى السياسية والمدنية من خارج الأحزاب السياسية ليست لديها أي فرص للحصول على أي من المناصب الوزارية مهما كانت قدراتها أو كفاءاتها. إنها أمور كلها تقود العراق إلى ما هو أسوأ من «الانسداد السياسي» بل تقوده إلى «جمود سياسي» وعجز شامل للنظام السياسي.

تحديات صعبة تواجه العراق، لكن هناك تحديات أخرى أعظم على رأسها عجز العراق عن الخروج من معادلة «الصراع الأمريكي – الإيراني»، فهذا الصراع مازال متغيراً حاكماً لحاضر العراق ومستقبله، وفي القلب منه الصراع على قوة التأثير في القرار السياسي العراقي.

فإذا كانت إيران تحظى بولاء قُوى وأحزاب سياسية وفصائل عسكرية مسلحة تلعب دوراً أساسياً في تسيير العملية السياسية العراقية على نحو ما يرضي طهران، وعلى رأسها انخراط العراق ضمن «محور المقاومة» ضد إسرائيل والولايات المتحدة، فإن للأخيرة نفوذاً قوياً في ظل استمرارية «الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق» كواقع فعلي، رغم محاولات واشنطن للتعمية على هذا الواقع، سواء بسبب قواعدها العسكرية القوية في العراق أو ما تحظى به من دعم بعض مكونات عرقية (الكرد) أو طائفية (السنة) فضلاً عن دعم قوة التأثيرات والضغوط الاقتصادية الأمريكية على العراق.

فالولايات المتحدة سبق أن أكدت على لسان رجلها في سوريا ولبنان والعراق (سفيرها في تركيا توماس برّاك) رفض ترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، وأرغمت «الإطار التنسيقي» على سحب ترشيحه له، وعرض مرشحين بدلاء، فإنها فرضت عقوبات مالية واقتصادية على العراق لطرح مرشح آخر ترضى عنه، وعرضت مكافآت مالية بملايين الدولارات لاعتقال عدد من زعماء الفصائل العسكرية العراقية.

وإذا كان الرئيس ترامب قد اتصل هاتفياً برئيس الوزراء العراقي المكلف علي فالح الزيدي عقب اختياره ودعاه لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، فإن الدعم الأمريكي للزيدي مشروط بسقف سياسي وأمني، عنوانه إعادة ترتيب ملف فصائل المقاومة المسلحة، ومنعها من الدخول في التشكيل الحكومي الجديد.

تحديات صعبة قد تعيق أو تؤجل تشكيل الحكومة الجديدة وتعود بالعراق مجدداً إلى خطر «الانسداد السياسي».

1 مايو 2026
ثمن فادح للصراع على «السيادة» في لبنان

مساران يحكمان مستقبل لبنان، منذ إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مساء الخميس 16/4/2026، عن اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان لمدة 10 أيام، اعتباراً من اليوم التالي. المسار الأول الصادر عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وكردّ على انتقادات المعارضة الإسرائيلية والصحافة الداعمة لها لقبول إسرائيل لهذا القرار أولاً: من دون تصويت عليه من الحكومة، أو على الأقل من الحكومة الأمنية المصغرة (الكابينت). وثانياً: إن القرار، فرض فرضاً من الرئيس ترامب، وإن كل ما فعله نتنياهو لم يكن أكثر من الاستجابة لهذا «الإملاء» الأمريكي، وهو مسار الالتزام الإسرائيلي بما يسمى بـ«استراتيجية الدفاع المتقدم»، لتأمين الحدود الشمالية لإسرائيل، عبر فرض «منطقة أمنية إسرائيلية» في الجنوب اللبناني. أما المسار الثاني، فهو المسار الذي يسعى الرئيس اللبناني، جوزيف عون، لفرضه وتكريسه، وهو مسار «السيادة الوطنية»، كأولوية استراتيجية لبنانية وتحرير لبنان من أية ضغوط، أو قيود، ووصل الأمر بالرئيس اللبناني إلى الدخول في «صدام تخويني» مع «حزب الله» لفرض هذا المسار.

وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت، من جانبها، بياناً توضيحياً بخصوص وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل. ومن بين ما أوضحه البيان أن لبنان وإسرائيل توصلا إلى تفاهم «يقضي بأن يعملا على تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم بينهما، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما، وسلامة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، مع الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس»، وأن الطرفين اتفقا على «ضرورة الحد من نشاطات (الجماعات المسلحة غير الحكومية) التي تقوّض سيادة لبنان، وتهدد الاستقرار الإقليمي»، والمقصود هنا بالتحديد «حزب الله».

وفي إشارة واضحة إلى استبعاد أيّ نفوذ لإيران، بما في ذلك من خلال «حزب الله»، أفاد البيان الأمريكي بأن «كل الأطراف تعترف بأن قوات الأمن اللبنانية، هي المسؤولة، حصراً، عن سيادة لبنان ودفاعه الوطني، ولا يحق لأية دولة أو جماعة أخرى، أن تدّعي ضمان سيادة لبنان».

نتنياهو لم يكتف بما تضمنه هذا البيان من إقرار وتأكيد على المطالب الإسرائيلية، بخاصة منح إسرائيل حق مطلق بالدفاع عن النفس في كل الأوقات، لكنه حرص على تقديم توضيحات للإسرائيليين بخصوص خلفيات وشروط القبول بهذا الوقف المؤقت لإطلاق النار مع لبنان، وقال لدينا مطلبان أساسيان: الأول نزع سلاح «حزب الله»، والثاني، اتفاق سلام مستدام قائم على القوة، وقال: «نحن باقون في لبنان ضمن منطقة أمنية معززة». وفُسر ذلك بأن هذه المنطقة الأمنية «ليست النقاط الخمس التي كانت من قبل، بل هي منطقة أمنية تمتد من البحر وتتواصل حتى مداخل جبل الشيخ، وصولاً إلى الحدود السورية.. منطقة أمنية بعمق عشرة كيلومترات، وهي أقوى بكثير وأكثر تماسكاً واستمرارية وصلابة مما كانت لدينا سابقاً».

وتنفيذاً لهذا الإعلان بدأ الجيش الإسرائيلي بتنفيذ ما يسميه بـ«استراتيجية الدفاع المتقدم»، أي الدفاع عن إسرائيل ليس من خلف الحدود الإسرائيلية مع لبنان، بل من داخل الجنوب اللبناني، والأراضى اللبنانية نفسها، كي تبقى مستوطنات الشمال الإسرائيلي في أمان ظلت تحلم به. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي إنشاء ما أسماه بـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان، على غرار ما جرى فرضه في شمال غزة، ما يعني أن أهالي 55 بلدة لبنانية واقعة ضمن هذا الخط لن يعودوا إلى أرضهم، وأن أرضهم نُزعت منهم ونهائياً. هذا المخطط يجري تنفيذه عبر مسارين متوازيين يهدفان إلى تثبيت واقع ميداني جديد في المنطقة.

المسار الأول يتمثل في محاولة الجيش الإسرائيلي ترسيخ وجوده في القرى التي سيطر عليها، بالتوازي مع استكمال سياسة التدمير الشامل التي اعتمدها سابقاً في قطاع غزة. أما المسار الثاني، فيركز على معركة «بنت جبيل» بما تمثله من رمزية وقاعدة استرايجية لـ«حزب الله»، عبر سياسة «الأرض المحروقة» لإخلاء الأرض تماماً، لإقامة المنطقة الأمنية المأمولة.

وبالتوازي مع جهود فرض «استراتيجية الدفاع المتقدم» الإسرائيلية، التي تضرب عرض الحائط بنصوص الاتفاق المؤقت لوقف النار، يخوض الرئيس اللبناني جوزيف عون، صراعاً مدعوماً من الحكومة اللبنانية وقوى سياسية لبنانية منحازة لتصفية نفوذ «حزب الله» وإنهاء أي دور إيراني في السياسة اللبنانية. فقد أكد الرئيس اللبناني أن لبنان «يرفض أن يكون ورقة تفاوض في الصراعات الإقليمية»، لكن التصعيد وصل ذروته عندما وصف الرئيس اللبناني «حزب الله» بـ«الخيانة»، في معرض دفاعه عن التزامه بخيار «التفاوض المباشر» مع إسرائيل. وردّاً «على اتهامات حزب الله»، من دون تسميته، قال: «من جرّنا إلى الحرب في لبنان يحاسبنا لأننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني، وسؤالي لهم هو: عندما ذهبتم إلى الحرب هل حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟».

الاتهامات المتبادلة بـ«الخيانة» بين «حزب الله» والرئيس اللبناني، تقود حتماً إلى منح إسرائيل فرصة مواتية لفرض استراتيجيتها للدفاع المتقدم على حساب «السيادة الوطنية» المتنازع عليها بين اللبنانيين.

24 أبريل 2026
الاستقلالية الاستراتيحية الأوروبية بين الوهم والحقيقة

في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الفرنسي، إيمانويل، ماكرون في ميناء جدانسك البولندي، بمشاركة رئيس الوزراء دونالد توسك، الاثنين الفائت، حرص على أن يقدم «إجابات متفائلة» لما يثار الآن من تساؤلات صعبة تخص علاقة الاتحاد الأوروبي بالولايات المتحدة في ضوء سياسة «الازدراء» التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتهديده بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو). وبالذات سؤال: هل تستطيع أوروبا أن تتمرّد على الولايات المتحدة؟ وهل تستطيع اتخاذ «قرار استراتيجي» بفك الارتباط مع واشنطن؟ أم أنها أعجز من أن تتخذ مثل هذا القرار؟

ماكرون الذي يقود «تيار التمرّد» الأوروبي على الزعامة الأمريكية، ويدعو لبناء «القوة الاستراتيجية الأوروبية المستقلة»، كان شديد التفاؤل بالنتائج التي توصل إليها مع شريكة دونالد توسك، رئيس الوزراءالبولندي، وكان أيضاً أكثر تفاؤلاً بالنتائج التي جرت في جمهورية المجر المجاورة لبولندا، والتي أُجريت قبيل أيام قليلة من وصوله إلى بولندا، حيث أدت الانتخابات التشريعية التي شهدتها المجر إلى سقوط فيكتور أوربان، أهم حليف للرئيس الأمريكي، وكان يعتبر أهم داعم للحركة الشعبوية اليمينية القومية في أوروبا والولايات المتحدة.

وفي المؤتمر الصحفي للرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس وزراء بولندا دونالد توسك، أعطى الرئيس الفرنسي «زخماً جديداً» لتعاون فرنسا وبولندا في مجالات: الردع النووي، والأقمار الاصطناعية العسكرية، والصناعات الدفاعية. وقال ماكرون «سيكون هناك عمل من الآن، حتى الصيف، سيمكننا من تحقيق تقدم ملموس في مجال الردع النووي». وتحدث ماكرون عن إمكانية نشر «طائرات فرنسية مسلحة نووياً» في بولندا.

عندما يتحدث ماكرون عن «نشر طائرات فرنسية مسلحة نووياً» في بولندا، فإنه يعني شيئاً محدداً، وهو أن «البديل النووي الفرنسي» للمظلة النووية الأمريكية في أوروبا أضحى جاهزاً للنشر خارح فرنسا، في إشارة مهمة تقول إن «فرنسا قادرة على قيادة أوروبا» كقوة نووية مستقلة عن الولايات المتحدة، وأن «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» عن الولايات المتحدة يمكن أن تتحول من حلم إلى حقيقة.

السؤال المهم بهذا الخصوص هو: هل أوروبا أضحت متفقة على هذا الخيار الاستراتيجي؟ وهل هناك قناعة أوروبية بالطرح الفرنسي، أم أن المزاج الأكثر شيوعاً في أوروبا، وبالتحديد في الاتحاد الأوروبي، مازال أمريكياً؟

أجواء «مؤتمر ميونيخ للأمن» الأخيرة في شهر فبراير/ شباط الماضي، كشفت عن حقيقة مفادها أن «أوروبا مازالت منقسمة حول خيارها الاستراتيجي» هل هو: استقلالية استراتيجية أوروبية أم تبعية استراتيجية للولايات المتحدة، على الرغم من كل الازدراء الذي يتعامل به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع «حلف شمال الأطلسي» وتهديده بالانسحاب من هذا الحلف، ومعاقبة الدول الأوروبية لرفضها الانضمام إلى الولايات المتحدة في حربها على إيران، وبالتحديد رفضها المشاركة عسكرياً في جهود فرض المرور الحر في مضيق هرمز والتصدي لإيران.

في خطابه الافتتاحي لمؤتمر ميونيخ للأمن المشار إليه، تحدث المستشار الألماني فريدرش ميرتس بـ«نبرة تصالحية» عن الولايات المتحدة، على الرغم من اعترافه بوجود خلافات بين الطرفين، ودعا إلى «شراكة جديدة» بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإلى ترميم الثقة بين الطرفين. ميرتس لم يكتف بذلك، لكنه كان مهتماً بتوجيه انتقادات إلى «النهج الفرنسي والسياسة الفرنسية» تجاه الولايات المتحدة.

ففي حديثه عن «ضرورة الحفاظ، أو إنقاذ العلاقات مع الولايات المتحدة» قال ميرتس إنه «يتفهم لماذا قد يشعر البعض بعدم الراحة من حال العلاقات حالياً مع الولايات المتحدة»، وإنه «يتشارك معهم هذا الشعور، وبعض مخاوفهم» (يقصد بالطبع فرنسا)، لكنه أضاف أن الدعوات لتخطي العلاقة مع الولايات المتحدة «غير واقعية»، وأن من يدعو لذلك «يتجاهل الحقائق الجيوسياسية الصعبة في أوروبا، ويقلل من شأن الإمكانات في مستقبل علاقتنا مع الولايات المتحدة، على الرغم من كل الصعوبات الموجودة».

تحفظات المستشار الألماني فريدريش ميرتس على دعوة «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» التي تقودها فرنسا مؤيدة من بعض الدول والتيارات السياسية الأوروبية، لم تأت من فراغ، ولكن الواقع الاستراتيجي الأوروبي يؤكد ذلك، على النحو الذي ذكرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية في إحدى دراساتها المهمة تحت عنوان «كيف خسرت أوروبا»، وبالتحديد في مجال العجز الدفاعي. فقد نقلت الدراسة عن «تحليل صارم» نشره «ناشيونال انترست» في مارس/ آذار 2025 أكد الخبراء فيه أن «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية وهم». ووفقاً لذلك التحليل، فإن من بين 27 دولة في الاتحاد الأوروبي لا تملك 12 دولة أيّ دبابات قتالية رئيسية، و14 دولة لا تُشغِّل أي طائرات مقاتلة، وأن إنتاج أوروبا من قذائف المدفعية متأخرة جداً، وأن أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في معظم أنظمة أسلحتها الدفاعية الاستراتيجية بسبب اختناقات القدرة الإنتاجية.

نتائج صادمة، لكن أخطرها ما يتعلق بـ«غياب الإرادة الاستراتيجية» الأوروبية، وهذا هو جوهر الأزمة الأوروبية.

17 أبريل 2026
ترامب.. والتحالف الأطلسي والخيارات الحرجة

د. محمد السعيد إدريس
فجوة الثقة بين حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة منذ تفجر الحرب الإيرانية الأخيرة، وعزوف الدول الأوروبية الكبرى، خاصة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا عن الاستجابة لطلب الرئيس الأمريكي للمشاركة مع القوات الأمريكية، لفرض ما تسميه بـ «المرور الآمن» في مضيق هرمز، ليست وليدة هذه الحرب، بل هي وليدة الولاية الأولى للرئيس ترامب (2017-2020) وعودته مجدداً للبيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، لذلك يصعب تصور أن تكون هناك حلول ناجعة لمعالجة أزمة الثقة بين الطرفين بعد توقف هذه الحرب، ربما يكون العكس هو الصحيح، أي أن أوروبا بعد انتهاء هذه الحرب ستواجه بما هو أسوأ، وما هو أسوأ ونعنيه هنا قد يكون ورد على خواطر بعض القادة الأوروبيين في أوقات الأزمة والخلافات الأوروبية – الأمريكية، لكنه أصبح واقعاً مريراً الآن وهو: أي مستقبل لحلف شمال الأطلسي؟ كيف سيكون الحلف «حلفاً أطلسياً» من دون عضوية الولايات المتحدة؟ هل يمكن تصور استمرار الحلف من دون الولايات المتحدة؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فماذا سيكون هذا الحلف، وممن سيتكون؟ هل من نفس الأعضاء بمن فيهم كندا غير الأوروبية وبريطانيا التي انسحبت من الاتحاد الأوروبي؟ أم أنه سيقتصر على دول الاتحاد الأوروبي، ومن ثم يتحول إلى «حلف أوروبي»؟
إذا كانت الإجابة هي نعم، فماذا ستكون العقيدة العسكرية لهذا «الحلف الأوروبي» ومن هم الأعداء؟ ومن هم الأصدقاء؟
هذا الخيار «النظري» معناه أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى «كتلة عسكرية»، ويكون هدفه الاستراتيجي هو فرض أوروبا قطباً دولياً منافساً على الزعامة الدولية في نظام محتمل تتعدد فيه الأقطاب، ابتداء من الأقطاب الثلاثة الكبرى: الولايات المتحدة والصين وروسيا، والأقطاب الجدد: الهند وأوروبا، وربما اليابان، وربما تدفع هذه التطورات الكوريتين (كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية) إلى التوحد، لتكوين قطب كوري كبير، قادر هو الآخر على المنافسة.
مثل هذه الاحتمالات، أو تداعيات الأفكار من المؤكد أنها تشكل عبئاً على الولايات المتحدة التي تسعـــــى إلى التوجه إلى احتواء القوة الصينية. فظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب على النحو المذكور ليس في مصلحة الولايات المتحدة.
حتى الآن ليست هناك مؤشرات لتراجعات أمريكية محتملة في ما يخص العلاقة مع حلف شمال الأطلسي. فإذا كان الرئيس ترامب قد حذر حلف شمال الأطلسي من أنه «يواجه مستقبلاً سيئاً للغاية»، إذا تقاعس الحلفاء في مد يد العون بشأن فتح مضيق هرمز؛ فإنه، وبعد مرور أسبوعين على ذلك التحذير وجه انتقادات حادة لهؤلاء الحلفاء وخاصة فرنسا، وقال: إن عليهم تعلم المحاربة من أجل أنفسهم، لأن الولايات المتحدة لن تكون هناك لمساعدتهم بعد الآن.. تماماً كما لم يساعدونا. وفي اليوم نفسه، هاجم وزير الحرب الأمريكي «حلف الناتو» ووصفه: «لا يعتبر التحالف ذا قيمة حقيقية إذا كانت الدول التي تضمه غير مستعدة للوقوف إلى جانبك عند الحاجة». وفي اليوم التالي صعّد الرئيس ترامب هجومه المباشر على الحلف، ووصفه بأنه «نمر من ورق»، معتبراً أن مسألة «خروج الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المشترك أصبحت الآن أكثر من مجرد إعادة النظر في العلاقة مع الحلف».
الموقف الأمريكي المحتمل من الحلف بعد انتهاء الحرب الحالية على إيران حسمه ترامب حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية. وهو أن الرئيس الأمريكي «يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي الذين يعتقد أنهم لم يقدموا الدعم الكافي للولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب على إيران»، وأن هذا يتضمن «سحب القوات الأمريكية من دول بالحلف تعدها واشنطن غير متعاونة في حربها على إيران».
السؤال الآن أضحى سؤالاً أوروبياً وهو: كيف سيتعامل قادة أوروبا أعضاء «الناتو» مع «خيار العقوبات الأمريكية»، الذي قد يصل إلى درجة الانسحاب الأمريكي من الحلف؟ هل لدى أوروبا القدرة والإرادة لاتخاذ قرار استراتيجي بفك الارتباط بالولايات المتحدة؟ أم أنها ما زالت لا تملك الإرادة لاتخاذ مثل هذا القرار؟ وما هي أسباب هذا العجز؟ أسئلة مهمة في حاجة إلى مزيد من البحث والتحليل.

10 أبريل 2026
لبنان.. وتداعيات الحرب الإيرانية

منذ ما يقرب من شهر تقريباً، وفي ذروة الحرب الإيرانية ظهرت اجتهادات تتحدث عن مشابهة وضع لبنان من هذه الحرب بوضع إقليم كردستان العراق، من منظور أن كلاً من البلدين يواجه «حرباً مفروضة» وأن مقدراته ومستقبله أضحى مرهونان بما سوف تؤول إليه الحرب الإيرانية الراهنة، لكن تطورات الأسابيع الماضية، وبالتحديد منذ أن قرر «حزب الله» المشاركة إلى جانب إيران، تجاوز الوضع اللبناني كثيراً حدود معاناة إقليم كردستان العراق وحكومة أربيل، خصوصاً بعد تطورين مهمين أولهما: التعهد الذي قطعته القيادة الإيرانية على نفسها ب «شمول لبنان في أية صفقة تنهي الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل». وثانيهما، ربما يكون نتيجة للأول وبالتوازي مع تصعيد «حزب الله» ضرباته شمال إسرائيل، هو تعمد قيادات «حزب الله» تصعيد الخطاب السياسي في مواجهة السلطات اللبنانية، «متوعدين بأداء جديد بعد انتهاء الحرب».
هذان التطوران كانت لهما تأثيرات كبيرة في عرقلة تقدم ما جرى ترويجه بأنه «مبادرة فرنسية» لوقف الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، وإفشال دعوة الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون للتفاوض مع إسرائيل.
موقع «أكسيوس» الأمريكي كان قد كشف نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، عن أن الحكومة الفرنسية صاغت مقترحاً لإنهاء الحرب على لبنان، يتضمن خطوة غير مسبوقة تتمثل في اعتراف الحكومة اللبنانية بإسرائيل، مشيراً إلى أن كلاً من تل أبيب وواشنطن تقومان بمراجعة هذا المقترح، الذي ينص على بدء مفاوضات إسرائيلية- لبنانية، برعاية أمريكية- فرنسية، للتوصل إلى «إعلان سياسي» خلال شهر واحد، على أن تبدأ المفاوضات على مستوى كبار الدبلوماسيين قبل أن تنتقل إلى مستوى القادة السياسيين والخبراء.
ونص المقترح على بنود مهمة من أبرزها التزام الطرفين بقرار مجلس الأمن الدولى رقم 1701، الذي أنهى حرب يوليو/تموز عام 2006، واتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، كما ينص المقترح على التزام الحكومة اللبنانية بمنع أي هجمات ضد إسرائيل، انطلاقاً من أراضيها، وإعادة انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني مقابل انسحاب إسرائيل، خلال شهر، من الأراضي التي احتلتها منذ بداية الحرب الحالية، على أن تشمل المرحلة الأخيرة ترسيماً للحدود بين إسرائيل ولبنان، وكذلك بين إسرائيل وسوريا على أن يتم إنجاز ذلك بحلول نهاية عام 2026 الحالي.
أما الرئيس اللبناني جوزيف عون فكان قد طرح مبادرة تتضمن 4 نقاط أساسية تبدأ بإعلان هدنة تمهيداً لفتح باب المفاوضات حول عدد من القضايا الأمنية والعسكرية، بينها انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ومسألة سلاح «حزب الله».
تطورات الحرب الإيرانية، واستعادة «حزب الله» لقدراته العسكرية حفزه وحلفاءه على رفض مقترح الاعتراف اللبناني بإسرائيل مقابل وقف الحرب، خاصة مع رهانات الحزب «أن الحرب ستأتي بتطورات إيجابية تغير من قواعد الاشتباك في غير صالح إسرائيل».
وإذا كان تصلب حزب الله قد عرقل تقدم «المبارة الفرنسية» فإن الإصرار الإسرائيلي على التوسع في الأراضي اللبنانية، وطرح شروط ومطالب تتضمن إصراراً إسرائيلياً على فرض «سلام القوة» على لبنان، كان هو الآخر سبباً قوياً في تراجع تلك المبادرة الفرنسية والدفع بلبنان ومستقبله كرهينة للتطورات الملتبسة للحرب الإيرانية.
ما نشره موقع «أكسيوس» الأمريكي، حول إصرار إسرائيل على ضرورة أن يسبق المفاوضات «إعلان نوايا لبناني» بالاعتراف بإسرائيل وسيادتها ووحدة أراضيها، في الوقت الذي لم يتلق فيه لبنان أية ضمانات أمريكية بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، الأمر الذي أكد جدية هذا الاستنتاج.
وإذا كان وزير المالية الإسرائيلية بتسلئيل سموتريتش قد أعلن في ذروة تصعيد الحرب على إيران أن إسرائيل ملتزمة بأن يكون نهر الليطاني هو «خط الحدود الأمنية الجديد» في نهاية هذه الحرب، وإن هذا الأمر «ليس مجرد هدف عسكري، بل وعد لمواطنينا»، فإن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب أعد دراسة توجيهية تخص مستقبل عملية «زئير الأسد» الحالية، التي هي عنوان الحرب على إيران تنطلق من فرضية أن الحرب الراهنة ستنتهي ب «إضعاف حزب الله وتدهور القدرات الإيرانية» طالب فيها السلطات الإسرائيلية ب «ألاّ تغرق في حملة عسكرية طويلة الأمد مع لبنان»، وأن تسعى بدلاً من ذلك إلى «تهيئة الظروف لترتيب أمني جديد مع لبنان يتمحور حول الاتفاق على نزع سلاح (حزب الله) بالتوازي مع إصلاح الجيش اللبناني ليصبح قادراً على مواجهة هذا الحزب».
تعقيدات من الجانبين لم تُفشل فقط المبادرة الفرنسية، لكنها علّقت مستقبل لبنان كله، وليس فقط «حزب الله» على ما سوف تؤول إليه الحرب الراهنة مع إيران، وما إذا كانت المفاوضات ستؤدي إلى سلام حقيقي.

3 أبريل 2026
الحرب الإيرانية.. ورياح التمرد الأوروبي

تركزت الأنظار يوم الجمعة الماضي على ما سوف يتضمنه البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع، الذي عُقد على مدى يومين في فرنسا التي تترأس الدورة الحالية للمجموعة. التركيز الأساسي كان بالتحديد على ما سوف يتضمنه هذا البيان من معالجات لأزمة الثقة التي أخذت تتسع كثيراً منذ تفجير الحرب الإيرانية، حيث لم تستجب الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لمطالب الرئيس الأمريكي بالتدخل العسكري ضد إيران ومنعها من السيطرة على مضيق هرمز، وعلى الأخص توفير كاسحات الألغام اللازمة لتأمين المرور الحر في هذا المضيق. الأمر الذي أعطى لهذه الدورة أهمية خاصة، ليس فقط فيما يتعلق باتساع فجوة الثقة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، ولكن فيما يتعلق بالموقف الدولي من الزعامة الأمريكية، وحدود التمرد من جانب الحلفاء على هذه الزعامة.
فمنذ الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب كثر الحديث عن تشكيل «جيش أوروبي موحد»، نتيجة المواقف الأمريكية والتصريحات المتكررة للرئيس ترامب التي كانت تُعبِّر عن استيائه من الحلفاء الأوروبيين، وخاصة تكرار الحديث من جانبه عن تفرد بلاده بتحمل أعباء الإنفاق على حلف «الناتو» بسبب التقاعس الأوروبي عن تحمل المسؤوليات. فعندما هدد ترامب بسحب المظلة النووية الأمريكية عن أوروبا، ردت المستشارة الألمانية حينذاك أنجيلا ميركل بالقول إن «المظلة النووية الفرنسية هيى مظلة أوروبا».
الولاية الثانية الحالية للرئيس ترامب جاءت لتحمل المزيد من التهديدات الأمريكية للشركاء في الحلف، واندفاعه نحو فرض زعامة أمريكية متفردة من دون مشاركة الحلفاء، وهذا ما أدركه مارك كارنى رئيس الوزراء الكندي عندما تصدى بقوة في مؤتمر دافوس الأخير في يناير/كانون الثاني الماضي، لهذا التوجه الأمريكي، حيث تعمد كارني أن يفند الخطاب السياسي للرئيس الأمريكى، ويؤكد أن «النظام العالمي القائم على القواعد لم يعد يعيش مرحلة انتقالية، بل قطيعة مع نظام دولي لم يعد يعمل لا أخلاقياً ولا عملياً» في محاولة جادة لتشخيص أن ما يواجه العالم حالياً بسبب السياسات الأمريكية هو «أزمة بنيوية».
هذه «الأزمة البنيوية» في النظام العالمي الراهن تتجلى بأدق صورها في أزمة انعدام الثقة بين الحليفين الأوروبي والأمريكي، التي أخذت تتفاقم منذ إبعاد الولايات المتحدة لحلفائها الأوروبيين عن مفاوضات أوكرانيا، وعن مفاوضات غزة، ثم مطالب ترامب بضم جزيرة غرينلاند، وأخيراً ما تعتبره أوروبا «تجاوزاً أمريكياً صارخاً لها» في تفرد الولايات المتحدة بقرار الحرب على إيران، دون علمهم أو استشارتهم، الأمر الذي دفعهم إلى التمرد على هذه الحرب، والنأي بأوروبا عن المشاركة فيها، وتحمُّل تبعاتها، مع حرص على دعم صمود وسيادة الدول العربية الخليجية، التي أخذت تتعرض لاعتداءات إيرانية، وتتحمل الأعباء الثقيلة لهذه الحرب.
الولايات المتحدة صُدمت من هذا العزوف الأوروبي، وعبَّر تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن إحباط ترامب إزاء قلة المساعدات العسكرية من الحلفاء الأوروبيين. وأشار التقرير إلى رفض مسؤولين أوروبيين، بشكل صريح، مطالب ترامب بإرسال قوات أو سفن حربية، على نحو ما ورد على لسان كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بأن «هذه ليست حرب أوروبا».
وجاء التعبير الأوروبي الأوضح من بريطانيا الحليف الأوروبي الأهم للولايات المتحدة، وعلى لسان رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر بقوله: «بينما نتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أنفسنا وحلفائنا، لن ننجر إلى الحرب الأوسع نطاقاً».
وجاء اجتماع وزراء خارجية الدول الصناعية الكبرى السبع في دورته الأسبوع الماضي ليزيد من تفاقم فجوة الثقة بين أوروبا والحليف الأمريكي. فوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي حضر جلسات اليوم الأخير لتلك الاجتماعات كان حريصاً، قبل وصوله إلى فرنسا، على أن يقول «لا أحد ينتظر من روبيو أن يُعَبِّر بشأن الحرب مع إيران عن مواقف مختلفة عن تلك التي يُعَبِّر عنها رئيسه»، وبكلام قاطع قال «لست هنا لإرضائهم (يقصد حلفاء واشنطن)، فأنا أعمل من أجل الشعب الأمريكي وليس من أجل فرنسا أو ألمانيا أو اليابان».
وبوضوح مماثل جاء البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع، ليركز على قضيتين أساسيتين، الأولى هي الدعوة إلى «الوقف الفوري» للهجمات التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية المدنية، والثانية تأكيد «الحاجة المطلقة للعودة إلى حرية الملاحة المجانية والآمنة في مضيق هرمز». وهنا جاء قول وزير الخارجية الفرنسي جان نيل بارو في ختام الاجتماعات، موضحاً أن «باريس التي انتقدت بقوة الحرب الحالية، فإنها تشارك واشنطن الأهداف نفسها، التي تتعلق باستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وأنها ترى الحاجة الضرورية لإقامة نظام لمرافقة الناقلات التي تعبر المضيق».
مواقف أوروبية واضحة وصريحة، لا تقتصر فقط على تباين المواقف من الحرب الإيرانية الراهنة، بقدر ما تعكس معالم تشكل وعي أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة.