د. عماد ملكاوي*

من آدم سميث «أبو الاقتصاد» الحديث، وصاحب النظرية الكلاسيكية للاقتصاد الرأسمالي الحر، الذي دعا إلى كف يد الحكومة عن التدخل في الاقتصاد وترك اليد الخفية تعمل على موازنته وعلاج ما قد يعترضه من خلل، إلى جون كينز العبقري الذي قدم الوصفة السحرية التي أخرجت الاقتصاد العالمي من هاوية الكساد العظيم عام 1929. وأطلق يد الحكومة لكي تتحمل مسؤوليتها في إدارة الاقتصاد من خلال السياسة المالية بالإنفاق والضرائب، والسياسة النقدية بالقروض وأسعار الفوائد بهدف تنشيط الطلب وتحقيق النمو. فكاد بأفكاره وتعديلاته الجوهرية تلك أن ينسف الفكر الاقتصادي السائد ويضعه في الظل. ومع ذلك أسرع من يهمهم الأمر إلى القبول والترحيب والتطبيق،ولو كان آدم سميث حياً لأثنى عليها ورحب بها مثل ما فعل الجميع. ولو أن جون كينز طرح أفكاره وتعديلاته في زمن الرخاء والوفرة لما استمع إليه أحد ولا اهتم به أو تعاطف معه أحد. ولك أن تتساءل: مَن هؤلاء الذين يهمهم أو يجب أن يهمهم الأمر ومتى؟.
الكساد العظيم كشف عورة النظرية الكلاسيكية وأظهر الحاجة إلى توظيف الأموال المدخرة أو المعطلة من خلال إقراضها مقابل نسبة فائدة معقولة للمقرض ومقبولة للمقترض ، بالإضافة إلى التوسع في الإنفاق الحكومي الذي يؤدي إلى توظيف العمالة وتنشيط الطلب. هذه الآلية لم تكن موجودة ولا مقبولة عند آدم سميث وأنصاره لكن الأزمة أجبرت الجميع على قبولها وتطبيقها. فهل سننتظر كارثةً مثل الكساد العظيم حتى ندرك أن نظرية كينز العبقرية الجميلة وما بني عليها أصبحت هي الأخرى بحاجة إلى التعديل والتطوير أو حتى إلى التغيير؟.
لا أقصد ولا أرغب أن أرى الفكر الاقتصادي الحالي يتغير بأكمله أو يصبح كله موضع انتقاد أو شك. لأن فيه قواعد راسخة يمكن البناء عليها وأفكاراً مبدعة ساهمت ولا تزال في التغلب على الندرة وتحقيق الوفرة وتثبيت الاستقرار وإشاعة الرخاء والازدهار. أريد فقط أن ينتبه من يهمهم الأمر إلى أن الاقتصاد العالمي قد دخل الآن رسمياً في أزمة لا أعتبرها جديدة بل امتداد للأزمة العالمية السابقة وتابع من توابعها الزلزالية لأن من يهمهم الأمر في ذلك الوقت لم يعالجوا أسباب الأزمة بل أعراضها فقط واستعانوا في ذلك بأقوى أنواع المسكنات وأشدها تأثيراً ، وهي التيسير الكمي وضخ السيولة وحصلوا على التأثير الناتج عن الدواء الوهمي placebo effect كما يعرفه الأطباء.
وإذا كان قد تقرر في تاريخ الفكر الاقتصادي أن الاستجابة للتغيير المطلوب حتى لو كان ضرورياً لا تكون إلا في ظل الكوارث والأزمات فها هي الأزمة الاقتصادية تطل من جديد وتقدم الفرصة المناسبة للتغيير. لكن المؤسف أن نرى الخطأ القاتل في التشخيص يتكرر فتجد الأغلبية العظمى من المتحدثين باسم الاقتصاد يرددون ويؤكدون أن أسباب الأزمة هي انخفاض أسعار النفط وتراجع النمو الاقتصادي في الصين. لكن الحقيقة التي اختفت في ظل الرخاء والوفرة التي شهدناها في السنوات الماضية تقول بشكل صريح: إن انخفاض سعر النفط وتراجع نمو الاقتصاد الصيني وغيرها ليست سوى أعراض الأزمة وبعض من مظاهرها ، أما الأسباب الحقيقية فهي أسوأ من التهاب مزمن أو ورم خبيث في كبد النظام الاقتصادي العالمي لا تنفع معه المسكنات ولا عمليات التجميل بل التدخل العاجل ممن يجب أن يهمهم الأمر من جراحي الفكر الاقتصادي البارعين أمثال كينز العبقري الذي ألقى عصاه السحرية - تنشيط الطلب - في مياه الكساد العظيم فتدفق شلال النمو وانتعش الاقتصاد وأدرك كينز ببعد نظره وكأنه كان يستشرف المستقبل الذي وصلنا إليه الآن حيث تطورت وسائل وتقنيات الإنتاج وأصبحت قادرةً على خلق أحجام من العرض تفوق حجم الطلب الحقيقي بمئات وربما آلاف الأضعاف أدرك أن الرخاء والوفرة سوف تدفعان المتحدثين باسم الاقتصاد إلى اعتبار عصا الطلب السحرية هي الحل الدائم لكل الأزمات ، فقال تلك العبارة الرائعة في كتابه المشهور «النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود»: «لا يمكن للعرض أن يخلق الطلب المقابل له».
الأسباب الحقيقية تتطلب علاجاً فعالاً وتغييراً جذرياً آن أوانه ولا أظنه سيكون سهلاً أو سريعاً لأن المطلوب ليس اتخاذ قرار على مستوى رفيع ثم إعلانه لكي يلتزم به الجميع. المطلوب أهم من ذلك وأصعب أنه تغيير في واحد من الأسس التي أصبحت راسخة في الفكر الاقتصادي حتى إن المتحدثين باسم الاقتصاد الذين تسميهم وسائل الإعلام خبراء وأساتذة الاقتصاد وبعضهم يتبوأ مناصب رفيعة في البنوك العالمية والجامعات ، اعتبروا تحفيز الطلب قانوناً لا يجوز المساس به مثلما لا يجوز المساس بالمقدسات. وأبدعوا في ابتكار الوسائل الكفيلة بهذا التحفيز مثل تسهيل الائتمان وتقليل كلفة الاقتراض والأنواع المبتكرة من عقود المستقبل وعقود الرهن والمشتقات المالية ، وهي كلها أدوات تنفع لتسهيل وتمرير مفهوم خلق الحاجات ، أي إقناع المستهلك بأن السلعة أو الخدمة التي يتم إنتاجها وعرضها في السوق ضرورة ملحة لا يمكن الاستغناء عنها. وهكذا تدور عجلة الإنتاج الفائض والاستهلاك الزائد حتى أصبح الانتفاع بالمنتجات الجديدة أقل بكثير من قيمة الثمن الذي يدفع لشرائها ، فازدهرت صناعة إعادة التدوير وتأكدت جدواها الاقتصادية كواحدة من أفضل فرص الاستثمار.
هذا الجهد في تحفيز الطلب يمكن أن يعمل لفترة قد تمتد إلى سنوات ويمكن أن يضاعف الطلب ربما عشرات المرات ، لكنه لا يمكن يستمر إلى الأبد أو يتجاوز كل حد. لأنه يؤدي كما نرى الآن إلى استنزاف الموارد وتراكم الديون وتلوث البيئة وغيرها من المخاطر التي تلوح في كل جانب. كما أن سلسلة تحفيز الطلب وخلق النقود وتدويرها أصبحت معقدة وحلقاتها متشابكة ، ويكفي أن تتعرض حلقة واحدة منها إلى نكسة أو خلل حتى يتوقف الدوران وتحدث الأزمة. هنا أدعو من يهمهم الأمر إلى أخذ زمام المبادرة -كما فعل جون كينز -في تقديم حل جديد يتخلى عن مبدأ الطلب الذي يجري ويلهث وراء العرض. حل يكبح شهوة الإنتاج الذي لا تحده حدود ولا تمنعه قيود. ولا أقصد أبداً منعه بقرارات ملزمة أو عقوبات رادعة وإنما بأفكار مبتكرة تهدف إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية وحماية المناخ والتأكد من الجدوى الاقتصادية للإنفاق وتحقيق القيمة الأفضل للنقود.
والحل الثاني الذي أدعو من يهمهم الأمر إلى استغلال ظروف الأزمة الحالية وتقديمه يتعلق بالدولار والمكانة التي جعلته دوائر الاقتصاد والبنوك المركزية في العالم يتبوؤها نتيجة لقوة الاقتصاد الأمريكي الذي يبلغ ربع اقتصاد العالم. والمشكلة ليست مع الدولار ولا مع الاقتصاد الأمريكي وإنما مع المبدأ البديهي الذي نتجاهله وهو أن المعيار أو المرجع أو المقياس حتى يكون كذلك يجب أن يكون ثابتاً. فحتى نحدد قيمة أو مقدار المتغير يجب أن نقارنه بشيء ثابت ، أما أن نقارن المتغير بمتغير مثله فسوف يتأرجح كلاهما ونحتاج إلى تحليل من خبير حتى نعرف هل انخفض هذا أم ارتفع ذاك. أما السلع فتسعيرها بالدولار يجعلها تحت رحمة تقلباته والكل يعرف أن الدولار يتقلب لأسباب بعضها اقتصادي وكثير منها سياسي وأن الورقة النقدية - دولار أو غيره - هي في حقيقتها وعدٌ بالسداد ، وبذلك تترتب عليه مخاطر ائتمانية كما أنه ينخفض أو يرتفع لمجرد تصريح من مسؤول أو خبر عن حالة المناخ أو توتر هنا أو هناك. أما الثابت الذي يصلح أن يكون المرجع والمعيار فهو الذهب بدون جدال. تلك السلعة العجيبة التي يبدو أن الله تعالى خلقها لتكون هي المرجع والمعيار لكننا ارتكبنا بحقها بل بحق الاقتصاد في المجمل خطيئةً كبرى حين جعلنا الدولار مرجعاً نقيس به سعر الذهب فأصبح هذا الأخير يتقلب مثل ما تتقلب أسعار الفاكهة والخضار. وأود أن أؤكد أنني لا أدعو إلى العودة إلى نظام قاعدة الذهب كغطاء للنقود فهذا ليس مطلوباً وقد يكون في نظري غير مرغوب. المطلوب اعتماد الذهب كمعيار للتسعير لأن الذهب يتمتع وعلى مر العصور بدرجة من الثقة لم يكتسبها من منظور الندرة أو الوفرة بل من إجماع إنساني عالمي يتمثل في ثقة دائمة وعاطفة غريزية تجعل من مجرد النظر إليه متعة وامتلاكه أماناً ورِفعة. وبقدر وافر من الثبات في الحجم والقيمة الشرائية فحجم المنتج منه غير مرن لتقلبات السوق وقد رأينا أن أحجام إنتاجه لم ترتفع كثيراً عندما ارتفع سعره بشكل ملحوظ منذ عام 2001. كما أن قيمته الشرائية تبقى شبه ثابتة لعشرات بل لمئات السنين حيث تشير بيانات المجلس العالمي للذهب إلى أن متوسط سعر الأونصة في عام 2008 والأعوام الأربعة التي سبقته كان 606 دولارات بينما في عام 1900 كان سعر الأونصة 20.67 دولار وبحساب القيمة المستقبلية لمبلغ 20.67 دولار بأسعار 2008 تبين أنها تعادل 503 دولارات أي أن الذهب حافظ على قيمته الشرائية دون تغيير يذكر طوال القرن العشرين على الرغم من كل الحروب والاضطرابات والتغيرات. لذلك ولأسباب كثيرة غيرها يجب اعتماد وحدة معينة من الذهب (غم مثلاً ) كوحدة قياس يتم بها تسعير العملات والسلع كلها وعندها سنقول إن سعر برميل النفط يساوي 1 غم ذهب مثلاً وبعد أن كان سعر النفط يتذبذب بتأثير عاملين هما تقلبات الدولار وتقلبات العرض والطلب ، فسوف يتأثر فقط بالعامل الأخير لأنه تحرر من الارتباط بالدولار وحتى تقلبات العرض والطلب في كل السلع والخدمات ستكون أقل مما نراه الآن بسبب ارتباطها بالذهب لا بالدولار.
وأخيراً فإنني حين أدعو من يهمهم الأمر إلى الاتفاق على آلية تخرج الاقتصاد من دوامة الطلب الذي يلهث وراء العرض وأن يحل الذهب مكان الدولار أو غيره من العملات كمرجع للتقييم والتسعير. أدرك تماماً أن ما أدعو إليه ليس أقل صعوبةً وتعقيداً من الاتفاق على تخفيض انبعاث ثاني أكسيد الكربون للحد من ارتفاع حرارة الأرض. فالذين يهمهم الأمر يجتهدون في حماية المصالح قصيرة الأمد لبلدانهم وبنوكهم وشركاتهم ويتجاهلون ما يسببه ذلك من خسائر وأضرار لهم وللعالم بأسره على المدى الطويل ، لكن منطق الأشياء يقول إن المشاكل التي لا تحل تتحول إلى مصائب والمصائب التي لا تعالج تتحول إلى كوارث ثم أزمات ثم كساد عظيم وربما كساد أعظم وحينها يخضع الجميع ويسمع الجميع لعبقري جديد مثل جون مينارد كينز يقدم أفكاراً عبقرية نادى بها من قبل أشخاص بسطاء باعتبارها أموراً بديهية لا تحتاج إلى نبوغ أو عبقرية ولم يستمع إليهم أحد.

*مدير ترند كاست للاستشارات

[email protected]