قبل أيام أعلن رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي تجميد 31 مليار دولار من أموال الرئيس المصري السابق حسني مبارك بناءً على طلب السلطات المصرية، ثم تم التراجع والإيعاز للصحف الأمريكية بحذف الخبر من صفحاتها الإليكترونية واستبدال اسم مبارك بالرئيس الليبي معمر القذافي، ما أثار الكثير من علامات الاستفهام حول الموقف الغربي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص من الأموال العربية المهربة في البنوك الغربية .
تصريحات كيري تلك وردت رداً على سؤال لمراسل مصري عقب كلمة له في معهد كارنيغي للسلام الدولي الأربعاء قبل الماضي، بشأن نية أمريكا احترام طلب الحكومة المصرية الجديدة تجميد أصول مبارك، حيث أكد هذا المراسل أنه لم يحدث شيء من هذا القبيل، ليرد كيري قائلاً ليس هذا ما أفهمه . . لقد فهمت أن الولايات المتحدة جمدت نحو 31،5 مليار دولار تعود إلى مبارك، وشمل ذلك الأملاك في نيويورك وكاليفورنيا وأصولاً بنكية، كما حدث في مختلف أنحاء العالم . ولكننا وحدنا (الأمريكيين) قمنا بتجميد 31،5 مليار دولار .
إذن، سياق الكلام بهذا التفصيل والتوضيح يثير أكثر من علامة استفهام حول مدى صدقية الحديث عن زلة لسان من سياسي مخضرم بحجم كيري .
وما زاد من علامات الاستفهام تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في لقائها مع شباب الثورة المصرية خلال زيارتها للقاهرة التي تزامنت مع تصريحات كيري، حيث أكدت أيضاً أن كيري أخطأ وكان يقصد القذافي، مؤكدة أن واشنطن ستقوم بنفس الخطوة مع مصر حال طلبت حكومتها الحالية هذا، ما يدعو للتساؤل: وهل في ليبيا سلطة بديلة تمسك بزمام الأمور لطلب تجميد أموال القذافي؟
وهذه القضية تفتح من جديد فضيحة رشوة مرسيدس المصرية التي رفضت السلطات الأمريكية الإفصاح عن أسماء مسؤولين مصريين متورطين فيها، بنفس الحجة .
الحقيقة أن هذا الموقف من الأموال العربية التي نهبت ليتم ضخها في مفاصل الاقتصاد الغربي، وبضمنها شركات السلاح، يطرح التساؤلات حول وجود صفقات سرية مشبوهة بين واشنطن وبين المسؤولين المخلوعين، أو محاولات أمريكية لابتزاز النظم البديلة التي تحاول التشكل الآن في مصر وتونس، لضمان عدم استرجاع هذه الأموال بتجميدها، كما حدث مع العراق الذي لم يسترد أمواله إلى الآن، لأنها ببساطة يمكن أن تعجل بانهيار اقتصادات دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، لأننا في الوقت الذي نسمع فيه عن حسابات بعشرات المليارات، نسمع أصواتاً أخرى سربت وثائق خاصة بحسابات عربية بمئات المليارات لتصل في مجموعها إلى ترليونات، ساهمت ومازالت في صمود هذه الاقتصادات حتى الآن في وجه الأزمة المالية العالمية .
وبناءً عليه، فإن واشنطن وحلفاءها لن يسمحوا باسترجاع هذه الأموال لتنتعش أوضاع المنطقة، بينما تفلس خزائنهم، ليكشفوا مرة أخرى أنهم هم مَنْ وراء ترسيخ الاستبداد في المنطقة وتوظيفه لمصالحهم، بل وافتعال أزمات بين دول المنطقة واحتلال بعضها، ليظل النزيف العربي متواصلاً، على اعتبار أن صحوة المنطقة مرادفة لسقوط وهم التفوق الغربي وانهيار المشروع الصهيوني .