هناك اهتمام فرنسي غير عادي بإسرائيل هذه الأيام، وفي وسع المراقب أن يلاحظ أنها حاضرة سياسياً وإعلامياً وثقافياً في صورة طاغية، ترقى في بعض الأماكن إلى حد المبالغة، الأمر الذي يثير الكثير من الأسئلة. إن المسألة لا تقتصر على المظاهر مثل العلم الذي يرفرف في الشوارع إلى جانب نظيره الفرنسي، فهذا شأن يحدث لدى كل زيارة رسمية إلى فرنسا. وهي لا تتوقف عند ملصقات معرض الكتاب الفرنسي التي تحتل مساحات واسعة من فضاءات العاصمة الفرنسية، في الشوارع ومحطات الميترو والباصات، بل هي تتجاوز ذلك إلى نوع من الحمى المرضية التي تسري في الأوساط السياسية على وجه الخصوص. إلى أيام مضت كان الاعتقاد السائد هو أن الاحتفاء من طرف فرنسا بالدولة العبرية، لمناسبة الذكرى الستين لتأسيسها سوف يقتصر على فعاليات معرض الكتاب الذي يستقبل الثقافة الإسرائيلية كضيف شرف، وهذا أمر ليس بالقليل في حد ذاته، بالنظر إلى المهمة السياسية الموكولة للجانب الثقافي في هذه المناسبة، وهي خطيرة إلى حد كبير لأنها تسمح لطرف واحد من طرفي النزاع، في ظل عدم توجيه الدعوة للكتاب الفلسطينيين، لطمس الوجه الآخر من الرواية التاريخية للمأساة، الأمر الذي حدا بالمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه الذي أصدر حديثاً كتابه القيم التطهير العرقي ضد الفلسطينيين لمقاطعة المعرض، ودعا المؤرخ الذي ينتمي لمدرسة المؤرخين الإسرائيليين الجدد المثقفين والكتاب والفنانيين ليحذوا نفس الموقف كي لا نشارك في احتفائه بإسرائيل، وإنكاره التام للنكبة الفلسطينية. ومع ذلك لم يتبادر إلى الذهن أن هذه التظاهرة الثقافية سوف تترافق مع استعراضات سياسية مكرسة لإحياء ذكرى إنشاء إسرائيل وذلك لسببين: الأول هو انه لم يسبق لفرنسا منذ الجنرال ديغول أن خرجت في صورة رسمية عن طريق التوازن في العلاقة بين إسرائيل والدول العربية، وقد بقي هذا الموقف ملحوظاً في كافة المنعطفات والمناسبات، ولهذا لم تحظ الذكرى الخمسين لتأسيس إسرائيل باهتمام خاص على الصعيد الفرنسي الرسمي. والسبب الثاني هو أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وارتكاب مجازر فظيعة بحق المدنيين الفلسطينيين، يشكل رادعاً كبيراً على المستوى الأخلاقي. وبعيداً عن هذين الاعتبارين، يفترض المنطق ألا تكون فرنسا الرسمية معنية في صورة مباشرة بإحياء ذكرى إنشاء إسرائيل. من الناحية الشكلية لا يمكن اعتبار الاحتفال بإسرائيل في فرنسا أمراً غريبا، وذلك بالنظر إلى عوامل التاريخ ووزن الجالية اليهودية، بالإضافة إلى المعطيات التي استجدت بعد انتخاب الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي اعتبر ان انشاء إسرائيل هو أهم انجاز في القرن العشرين. إلا أنه رغم كل ذلك لا يمكن قياس الأمر من زاوية وزن إسرائيل والتعاطف الذي تحظى به في فرنسا، ومن المتعارف عليه أن هناك معايير أخرى هي التي تتحكم باتجاه الموقف الرسمي، ولا يستطيع أي صاحب قرار فرنسي أن يتصرف من دون أن يراعي نقطتين أساسيتين: الأولى هي الأخذ في عين الاعتبار موقع فرنسا ودورها في عملية السلام في الشرق الأوسط، وخصوصاً بعد أن انخرطت مباشرة في عهد ساركوزي وصار لها إسهامها المباشر في اجتماع أنابولس ومؤتمر المانحين للدولة الفلسطينية. والثانية مراعاة رد الفعل العربي، ولهذا بقيت باريس تردد دائماً أنها تتمسك بمبادرة السلام العربية وتدعمها. لا يبالغ المرء إذا قال إن هناك رائحة مزايدة بين الأطراف السياسية الفرنسية من اليمين الحاكم حتى الاشتراكيين. وتكشف المظاهر عن بعض هذا التسابق على كسب ود إسرائيل في موسم الانتخابات البلدية الذي انطلق في التاسع من الشهر الحالي، وهو يشهد تنافساً حاداً وخصوصاً على بلدية باريس. وحتى لا يبقى الحديث مجرداً لا بد من إيراد وقائع محددة، ففي يوم الاثنين الماضي بدأ الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز زيارة دولة إلى فرنسا تستمر خمسة أيام. وعند الساعة الرابعة كان مجتمعاً مع الرئيس ساركوزي، وفي الساعة الثامنة أقيم على شرفه عشاء دولة في الإليزيه. وبغض النظر عن الجانبالسياسي فإن الرائحة الحميمية تتضوع من هذا الاهتمام، الذي لم يحظ به رئيس دولة آخر حتى الآن. إلا أن رئيس بلدية باريس براتد دولانويه الذي يحضر نفسه لتجديد ولايته، في الوقت الذي يضع نصب عينه الانتخابات الرئاسية القادمة، لم يترك اليمين يحتكر المناسبة لوحده، فقام بدوره بتكريم مماثل لبيريز في مقر البلدية، من خلال استقبال كبير، يترافق مع احتفال مخصص للجالية اليهودية. إن مغزى هذا التنافس يذهب نحو تحويل المناسبة إلى حدث فرنسي تستغله الاحزاب السياسية من دون حدود، وليس غريباً أن تتحول قضية كسب ود إسرائيل إلى معركة حامية، بعد التغير المهم الذي شهدته الحياة السياسية الفرنسية للمرة الأولى، والذي تمثل في تأييد الطائفة اليهودية لمرشح اليمين التقليدي للانتخابات الرئاسية، بعد أن درجت العادة منذ عقود عدة على التصويت للمرشح الاشتراكي.