من الطبيعي أن تصاب بالتوتر إذا طلب منك إلقاء كلمة بين زملائك في العمل أو تعرفت إلى شخص «مهم» لأول مرة، لكن أن ترهب من الحديث مع المسؤولين ومواجهتهم، وتتخوف دائماً من إحراج نفسك أمام الآخرين، وتشعر بتشتت التركيز أثناء الحديث أمامهم، وينتابك إحساس بالتوتر وتزايد ضربات القلب عندما تتقدم لإمامة المصلين، كما تشعر بالقلق حينما تسلط الأنظار عليك، وتخشى التصدر والحديث في المناسبات الاجتماعية والتجمعات، وعندما تتعرض لأحد المواقف السابقة، تشعر باحمرار الوجه وحالة من الخجل الشديد والتوتر والقلق، ومن الممكن أن تهاجمك رغبة مفاجئة في الذهاب إلى دورة المياه، كل هذه الأعراض السابقة تقول إنك تعاني من اضطراب «الرهاب الاجتماعي».
القلق الاجتماعي أو الرهاب الاجتماعي ونوع من المخاوف غير المبررة، تظهر عند قيام الشخص بالحديث أو عمل شيء أمام مجموعة من الناس خاصةً الغرباء، وفي المواقف التي يشعر فيها الشخص أنه تحت المجهر وأن الكل ينظر إليه، فيخاف أن يظهر عليه الخجل أو الخوف أو أن يخطئ أو يتلعثم، ما يؤدي إلى الإصابة بمجموعة من الأعراض، وعندما تحدث في موقف ما، فإن الشخص يخاف ويتجنب تلك المواقف مرة أخرى، ما يزيد من مخاوفه ويضعف ثقته بنفسه، فيجعله عرضة لهذه المشاعر في المستقبل ما يزيد الحالة سوءاً وتعقيداً، ويمكن لاضطراب الرهاب الاجتماعي أن يؤثر في حياتك بصورة كبيرة، من الجائز ألا تتخيلها أو أن تستهين بها، وعندما نتحدث عن اضطراب الرهاب الاجتماعي فلا نعني الخجل، فالخجل شعور طبيعي ولا مشكلة فيه، أما الرهاب الاجتماعي فهو أخطر بكثير من الخجل، إنه حالة يومية يعيشها المريض لحظة بلحظة ويشعر فيها بالقلق والخوف والارتباك فيما سيظنه الآخرون به، ويفكر كثيراً حول نظرة الناس إليه وحكمهم عليه في كل تصرف، وكنتيجة لذلك يعاني صعوبات كبيرة في الحياة الاجتماعية، وحتى في حياته اليومية تصل إلى الخوف الشديد من التفاعل الاجتماعي، والتصادم مع الحياة اليومية.
ورم ينبت

تعد التربية أو التنشئة الخاطئة للفرد أبرز أسباب الإصابة باضطراب الرهاب الاجتماعي، خاصة في المجتمعات التي يسودها التحفظ والتسلط، فينشأ الفرد يراقب كل حركاته وسكناته، ونتيجة للتخويف من الناس ومن المجتمع، لا يتصرف الشخص بكامل الحرية، ولا تكون له الإرادة المطلقة في سلوكياته، ويبقى مراقباً لأعين من حوله باستمرار، وهكذا ينبت ورم الرهاب الاجتماعي، إضافة إلى ذلك من الممكن أن يتعرض الفرد إلى التعنيف اللفظي والجسدي المبالغ فيه، سواء داخل الأسرة أو في المجتمع، مثلاً في المدرسة، مما يزيد الأمر تعقيداً، ومن أهم العناصر التي يهملها الآباء أثناء عملية التربية، هي العمل على زرع الثقة في نفوس أبنائهم والعكس، فلربما وجدنا بعض الآباء والأمهات يسخرون من أولادهم، ويذكرونهم بقبائحهم الجسدية والمعنوية باستمرار، دون مراعاة للمشاعر البريئة خاصة في فترة الطفولة، وخلال العشر سنوات الأولى من العمر وفترة المراهقة، وينشأ عن هذا نوع من الخجل المبالغ فيه، خاصة أمام الناس، بمعنى أن ينظر الفرد إلى نفسه نظرة دونية، ومن هنا يبدأ الداء أيضاً، ومن مضاعفات ذلك أن ينشأ قلق تنطبع به شخصية هذا الفرد، دون معرفة أي سبب له، ثم يولد ذلك حب الشخص للعزلة والانطواء على النفس، ويدخل في صراع مع نفسه لا يدري له أي مبرر، والواقع أن بعض التشجيع في سن مبكرة مفيد، بل من الممكن أن يمنع زيادة الحالة أو يخفف من شدتها، أو حتى ينهيها كلياً، والمجتمع أحياناً يتعامل مع الأطفال والمراهقين بأسلوب لا يشجع للتغلب على الرهاب الاجتماعي، بالإضافة إلى أن الأهل يرجون من مدرسي ابنهم في المدرسة تجنيبه المواقف المحرجة، ويتعاون المدرسون مع الأسرة في ذلك، وتمتد الحكاية للجامعة أو بعدها، وهذا الإعفاء الخاطئ يؤدي إلى المزيد من الخوف والرعب والتراجع، وكل هذا على خلفية استعداد وراثي يتبعه الأسلوب الخاطئ في التعلم السلوكي.
تعرق وخفقان القلب

مريض اضطراب الرهاب الاجتماعي أعلم بنفسه، فهو يدرك ما إذا كان خوفه منطقياً أم لا، وبالتالي ربما هو أفضل من يحدد دلائل إصابته، وعامة يعاني مريض اضطراب الرهاب الاجتماعي من خوف ملحوظ من المواقف الاجتماعية، فتجده يخاف التصرف بصورة محرجة أو مهينة، خوفاً من أن يظن الآخرون غباءه، أو أنه غير ناضج، وهذا الخوف من الممكن أن يكون في المواقف التي ينظر فيها إليه الآخرون، حتى ولو كانوا معارف أو مقربين، كذلك يصاب بالخوف لأسابيع قبل حضور مناسبة اجتماعية تتطلب الظهور للعلن، كأن يكون صاحب الحدث أو المتحدث الرئيسي، وربما يمنعه الخوف من الحضور، وإذا ذهب يقلق بشدة ويفقد التركيز، وتظهر عليه أعراض القلق، وتنتاب مريض اضطراب الرهاب الاجتماعي أيضاً أعراض عضوية، فيصاب بجفاف شديد في الحلق، والتعرق، وخفقان في القلب مع الشعور بعدم انتظام ضربات القلب، بطريقة غير معتادة، والشعور بالتخدر أو الألم في الأطراف، والتنفس بسرعة مع الإحساس بالاختناق، وارتجاف الأيدى واحمرار الوجه، وفي بعض الحالات تؤدي المشاعر السابقة في النهاية إلى حدوث نوبة هلع، وتستغرق عادةً فترة بسيطة ولبضع دقائق يكون خلالها المريض في حالة قلق نفسي شديد ورعب من فقدان التحكم في النفس، ويشعر أثناءها بأنه من الممكن أن يغمى عليه أو أن قلبه سيتوقف عن النبض، ويسعى إلى الخروج من الموقف بأي طريقة، ويشعر المريض بعد انقضاء النوبة بحالة من الضعف الشديد والإجهاد العام، وبالرغم من أن هذه النوبات تكون مزعجة للغاية فإنها تنتهى من تلقاء نفسها ولا تصيب المريض بأي ضرر عضوي.
خطوات مهمة

علاج اضطراب الرهاب الاجتماعي يتضمن خيارين أساسيين، الأول العلاج السلوكي، والثاني العقاقير الطبية، ويشتمل العلاج السلوكي على عدد من الخطوات، أولاً التنبيه الذهني ويقصد به انتباهك الدائم لنفسك، ولخطابك الداخلي، وحالتك النفسية في كل فعل، بحيث تدرك أن ما يمنعك من تقديم عرضٍ ما - مثلاً - هو الرهاب الاجتماعي الذي تعانيه، وثانياً تسلسل الأفكار، ويقصد به أن يقودك هذا التسلسل إلى الخوف اللامنطقي والخوف غير المبرر، فبدلاً من التوجه نحو السلبية، يمكنك أن تفكر بطريقة لماذا راودتني هذه الفكرة؟ وما هي البدائل الأخرى؟ وما هي النتائج من هذا التفكير؟ وما أهميتها؟ وثالثاً مواجهة الخوف، وكلنا تنتابه مشاعر من الخوف، ولكن بالشجاعة نستطيع التغلب على هذا الخوف، وهذه الخطوة تحديداً تحتاج منك إلى شجاعة وقوة، ومن الممكن أن تكون الأصعب، ولكن نتائجها سريعة في علاج الرهاب الاجتماعي، ورابعاً وسائل الانشغال، وهي من أهم الأشياء في رحلة العلاج، التقليل من الرسائل السلبية والتفكير السلبي، وذلك قبل الموقف أو بعده أو أثناءه ولا يكون ذلك إلا بوجود مصادر انشغال جديدة تبعث برسائل إيجابية، تلك الوسائل التي تجعلك تتجاوز الموقف ولا تجعله يعلق في ذهنك ومخيلتك، ومن أفضل هذه الوسائل الممارسة الدورية للرياضة، وقضاء أوقات ممتعة مع الأسرة والأطفال ومساعدة الآخرين، وكذلك فإن الأصدقاء مهمون في علاج اضطراب الرهاب الاجتماعي، فحاول أن تكسب المزيد من الأصدقاء، أو قرّب أصدقاءك إليك أكثر، والتعامل مع أشخاص يعززون من التفكير الإيجابي لديك، ويقدمون الدعم النفسي لك دائماً، فمن يمتلكون دعماً اجتماعياً أكبر، هم أكثر ثقة دائماً بأنفسهم، والثقة بالنفس تساعد كثيراً في العلاج، ويستخدم العلاج الدوائي إذا لم ينجح العلاج السلوكي، أو عدم رغبة المريض في تجربة العلاج السلوكي، وفي حالة إذا كان المريض يعناني الاكتئاب، وتستخدم مضادات الاكتئاب لعلاج هذا المرض، ويبدأ المريض في التحسن في غضون 6 أسابيع، ولكن من الممكن أن يستغرق العلاج 12 أسبوعاً لتتحقق الفائدة الكاملة من الدواء، ولا ينصح باستخدام المهدئات بصفة منتظمة لعلاج هذا المرض حتى لا تؤدي إلى التعود والإدمان عليها.

مرحلتان للظهور

تشير التجارب العلمية إلى أن اضطراب الرهاب الاجتماعي يبدأ مبكراً في سن الطفولة أو بداية المراهقة، حيث تبدأ معظم الحالات في الظهور عند سن الخامسة عشرة تقريباً، وهناك مرحلتان يكثر فيهما ظهور هذا الاضطراب، مرّة ما قبل المدرسة على شكل خوف من الغرباء، ومرة أخرى بين 12 إلى 17 سنة على شكل مخاوف من النقد والتقويم الاجتماعي، وتندر الإصابة به بعد الخامسة والعشرين من العمر، وهناك ما يقارب من 10% من الناس يرهبون المناسبات الاجتماعية، ما يؤثر سلبياً في حياتهم الاجتماعية والتعليمية والعملية وعلاقاتهم الشخصية بصورة كبيرة، ومعظم مرضى اضطراب الرهاب الاجتماعي ينتظرون على الأقل 10 سنوات حتى يحصلوا على المساعدة، وخلال هذه السنين من المعاناة والألم النفسي فإن المريض يتعرض لسلسلة من المشكلات والخسائر الاجتماعية والمادية والمهنية والصحية، مما يصح معه تسمية هذا الاضطراب بـ «الإعاقة النفسية»، ونسبة 80% من مرضى الرهاب الاجتماعي يعانون أمراضاً نفسية أخرى، أبرزها القلق والفزع والاكتئاب وأنواع أخرى من الرهاب والمخاوف، والرهاب الاجتماعي يسبق وجود هذه الاضطرابات، مما يوحي بوجود علاقة سببية بينها.