يتحرك الموت، كمفردة عادية في شعرية اللغة، وكمعنى فلسفي للوجه الآخر للحياة ذاتها، في جميع قصائد الديوان الأخير لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي للشاعر الكبير الراحل محمود درويش. ويمكن لقارئ هذا الديوان الذي صدر عن دار الريس للكتب والنشر، بعد فترة وجيزة من رحيل الشاعر، أن يلمس هذه الحركة بقدر ما يقرأها في آن، لمساً مألوفاً دون جهد، سوى جهد الفهم المفترض للشعر بشكل عام.
ولكن هذه الحركة، بمفردتها ومعناها، لا تحصل وحدها في أدنى سياق منفصل، بل تتدفق إلى حد الطوفان الشمولي، على وقع أبدية غلاّبة ومسيطرة، ضمن سلسلة طويلة من النقائض أو المتناقضات المكررة بألفاظها الصريحة في كل قصيدة، مثل: الشيء/اللاشيء، المكان/اللامكان، هنا/هناك، البداية/النهاية، أمس/الآن، أنا/هو، الحاضر/الغد، الماضي/المستقبل، الخيال/الواقع، القمة/الهاوية، الربيع/الخريف، السراب/الماء، الحضور/الغياب، وغيرها.
وقبل أن أجتهد في العبور إلى تجليات هذه الأبدية، أحاول أن أقارب أطيافها المتناثرة على امتداد المتناقضات المعنية، في مكابدة الشاعر نفسه، ليعبر بكل ما اشتملت عليه الأبدية أصلا، إلى خلايا قصيدته الكلية، لتكون مستمرة إلى الأبد، بصداها المرتد منه إلينا، أو منا إليه لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي، أي أنه لا يريد نهاية لبدايته في الشعر وفي الحياة، أو لا يريد الموت، كما لا يريد في المحصلة، أن يكون هذا الديوان، ديوانه الأخير.
يحضر النقيضان الشيء/اللاشيء، في كل الأطياف، حضورا طاغيا، كأنهما العنوان الأساس، لبقية النقائص أو المتناقضات. ما هو الشيء؟ ما هو اللاشيء؟ لا يوفر الشاعر جوابا. بل إنه لا يسأل. يكفي أن يصعد بالنقيضين إلى جمرة الشعر. نقرأ في قصيدة هذا المساء:
هذا المساء، أريد لا شيء
.. المساء هواية العبث الأكيد ومهنة الأبدي،
أو هو مثل مطرقة تدق الشيء واللاشيء، كي يتساويا
.. والمساء غواية اللاشيء،
واللاشيء أفضل من فساد الشيء،
واللاشيء يعبث، لا ينازعني على شيء..
يعرف الشاعر سلفا أنه غامض في هذا البوح الشعري المتناقض، حتى أنه يتحدى قارئه أن يتمكن من تفسيره من يفسرني إذا قلت... غير أن الغموض يتلاشى تماما حين تنتهي القصيدة إلى أن صانعها هو اللاشيء. يعني أن الشاعر نفسه هو هذا اللاشيء؟ يعني أنه الموت؟ يعني على الأصح، أنها الأبدية؟
وفي قصيدة ههنا الآن، وهنا والآن، يشتد وضوح هذا التلاشي، فنقرأ:
ههنا بين شظايا الشيء
واللاشيء، نحيا
في ضواحي الأبدية
الشيء الحياة. واللاشيء الموت. ولماذا اللاشيء هو الموت؟ ربما لأن الموت، حين يخرج من المفردة إلى الفعل، يخرج من قاموس الأشياء إلى الفراغ، إلى المطلق، إلى اللاشيء.
وبقدر تناقض الشيء واللاشيء، يحضر تناقض هنا/هناك. فهل الشيء هنا؟ والموت هناك؟ نقرأ في قصيدة موعد مع أميل حبيبي:
قلت له قبل موعدنا: عمّ تبحث؟
قال عن الفرق بين هنا وهناك.
فقلت لعلّ المسافة كالواو
بين هنا وهناك.. مجازية
هل هي مجازية المسافة بين الحياة والموت؟ وأين للشعر أن يكون إلا في هذه المجازية؟ لكنه الخوف أيضا، من عدم الوصول. نقرأ في قصيدة الخوف:
لا هناك أنا هناك، ولا هنا
وأخاف ألا أكتب السطر الأخير من القصيدة
خوف من هنا. وخوف من هناك. خوف من الحياة ومن الموت معا. والأهم، أن يتواصل الشاعر مع قصيدته، فينتصر على هنا وهناك، على الموت وعلى الحياة معا، بالقصيدة التي هي في ذاتها جوهر الأبدية.
تخلص الحكاية كلها، بجميع متناقضاتها، إلى أن الشعر هو الأبدية. فإذا اطمأن الشاعر إلى هذه الخلاصة، صحا من غفوته، وكتب مرثيته بنفسه، ثم نام، أو مات سيان. نقرأ في قصيدة لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي التي توّجت عنوانا للديوان كله:
سأصحو وأكتب مرثيتي
هادئا هادئا، وأرى كيف عشتُ
طويلا على الجسر قرب القيامة، وحدي
وحرا، فإن أعجبتني مرثيتي دون
وزن وقافية، نمتُ فيها، ومتّ...