رأس الخيمة - محمد أبو عرب:
ليس على المرء أن يفعل شيئاً، فقط عليه أن ينصت جيداً، وأن يمنح قلبه فسحة ليركض في زقاق قديمة، ويتسلق شجرة شاهقة يطل منها على الشعراء الذين حملوا أكفانهم ومضوا إلى آخر الحي مشياً على الرمال الحارة، هذا ما على المرء فعله وهو يستمع إلى الشاعر أحمد العسم، فهو لا يروي شيئاً، أو يتحدث حول موضوع ما، إنما يقرأ قصائد عالية حتى وهو يتحدث عن مذاق الشاي، ولون الثياب، وحرارة الطقس .
كذلك تماماً يخرج الزائر لبيت العسم مدهوشاً بقدرته على تحويل اليومي، إلى مفارقات شعرية موغلة في التجرد، ف"الخليج" زارت العسم في بيته لتفتح الباب على سيرة يومه وتقرأ أرفف مكتبته، وتعود معه إلى القرية الأولى، حيث الطفولة وذاكرة الأب والأم، فصارت بذلك على موعد مع سيرة مكانية شعرية لرأس الخيمة .
سيرة طويلة تلك التي ترتسم فيها ملامح شاعر مغاير، أختار قصيدة النثر بكامل حريته رغم تجربته في القصيدة الشعبية والفصيحة الموزونة، وكأنه من جديد يفتح باباً على التمرد في حياته، إذ تفلت منذ طفولته والمدرسة الابتدائية ولاحقاً الجامعة من فكرة القيد وكل ما يمكن أن يكبل جموحه، وكأن خلف ملامحه الهادئة المسالمة ذئباً شعرياً جامحاً عصيّاً على الحياة الراكدة .
في الإمارة التي تشرع يديها للبحر ولد العسم عام 1964 - الابن الأكبر - لأب يعرف جيداً معنى الثقافة وقيمة الكتاب رغم أنه لم يكمل تعليمه، يتذكر العسم حكاية الكتاب الأول في حياته مع والده الذي بنى له أول مكتبة في جدار البيت، إذ يروي: "كان والدي حين يذهب إلى الكويت يحضر لي الكتب معه، وفي إحدى المرات اشترى مجموعة شعرية لفهد العسكر، وطلب مني أن أقرأها وأن أضعها تحت إبطي، وكنت حينها طفلاً لم أدرك ما قصده أبي، ففي الوقت الذي كان يعني فيه أن أقرأ الكتاب جيداً حتى أعرف كل ما فيه، فهمت أن أبي يريد أن أضع الكتب تحت إبطي لتسكن القصائد في قلبي وأحفظها، فصرت أمشي مختالاً في الفريج وأضع الكتاب تحت إبطي ولم أقرأه" .
"بعد فترة شاهدني صاحب مكتبة في رأس الخيمة، فقال لي: أقرأ الكتاب، لقد اهترأ وأنت تضعه تحت إبطك، فأدركت أن فهمي الخاطئ لأبي قادني إلى أولى علاقتي بالشعر، فعكفت على قراءة الكتب، والصحف، وتغيرت سيرتي نحو حياة جديدة لم أكن أدرك يوماً إنها ستأخذني بهذا الشكل" .
في بيت والده القديم الذي حوله العسم إلى صالون أدبي يجتمع فيه مع الشعراء والكتاب في رأس الخيمة، تفيض الكتب عن المكتبة، وتتراكم على الأرض، وفي غرفة الجلوس، كان العسم يروي حكايته مع التفاصيل، ورؤيته للقصيدة بوصفها حالة تأملية لا تكتب بقدر ما تعاش، إذ يروي سيرته قبل عقود من الزمن، فيقول وقد أخرج صوراً بالأبيض والأسود، تجمعه من زملاء الدراسة وأطفال الحي: "لا يدرك المرء حقيقة ما يجري له إلا بعد سنوات من حدوثه، فكثيرة هي الأحداث التي كنا نضحك عليها ونحن أطفال وفتيان، صارت هي اليوم السيرة التي نعود إليها لنعرف من نحن وكيف أخذنا الشعر إلى دنياه، إذ ما زلت أتذكر المرة الأولى التي نشرت لي فيها قصيدة في صحيفة الخليج، حيث كنت أقف في الطابور الصباحي في المدرسة، ووقف مدرس اللغة العربي وقال، اليوم نكرم الطالب أحمد عيسى العسم، فخرجت من بين الطلاب متفاجئاً، إذ لم أكن مجتهداً في المدرسة وأحاول الهروب كلما سنحت لي الفرصة" .
"منذ تلك الحادثة صار أهل الفريج يوماً بعد يوم ينادونني بالشاعر، فصارت النسوة لا ينادينني إلا يا شاعرنا، وكأنهن يفخرن بأن في فريجهن شاعراً، منذ تلك الأيام صارت القصيدة ترسم معالم حياتي، وصرت أدرك أني رهين الشعر وابنه الجديد" .
تمضي سيرة العسم في تمرد بعد آخر، إذ تأخر في إنهاء الدراسة الثانوية، وحين التحق بالجامعة في العين "جامعة الإمارات" لم يمضِ سوى سنتين في تخصص علم الاجتماع، قرر بعدها ترك الجامعة ورفض سلطتها والحياة التي تجعله يتقبل أمراً لا يرغبه، فانتقل إلى العمل، حيث توظف في وزارة الاقتصاد في الشارقة .
خلال تلك المرحلة من حياته كان يعيش في مناكفة مع يومه وكانت القصائد تتكدس في رأسه وعلى الورق، قصائد مشغولة بالوزن كتبها بالفصيحة، حيث الحب يشعل قلبه، فيقول: "دعيني وارحلي غداً قد يأتي العيد حاملاً ذكراكِ/ فاذكريني أنتِ يا من كان العيد يوم لقاكِ"، ليجد بعد ذلك مساحة أرحب يعبر فيها عن ألمه وعن رفضه، فاختار النثر فضاءً واسعاً لقصيدته .
لا يشبه الرجوع إلى سيرة العسم الأولى إلا رجوعاً إلى رأس الخيمة قبل أربعة عقود، حيث البيوت المتجاورة والأزقة الترابية التي يسمع المرء فيها صوت الخطى فيعرف العابرين ويرسم في باله ملامحهم، إذ نسج العسم علاقة قاسية مع المكان صارت فيه المقبرة رفيقة يومه وأولى المفردات التي يبني عليها قصائده، فهو ابن الحنين الأول وصاحب قلب شاسع، حيث يمضي إلى قبر الشاعر الماجدي بن ظاهر، وقبر صديقه القريب جمعه الفيروز ليلقي عليهما التحية ويروي لهما همه ويعود .
كما لو أنه يقرأ قصيدة عن نخلة أسقطتها الريح وظل جذعها صلباً رغم سنين العمر يروي العسم عن جمعة الفيروز، فيقول: "كان الفيروز يقول لي دائماً: أتعلم يا أحمد ماذا أتمنى، فسأله ماذا؟، ويجيب: أتمنى حين أموت ويأخذوني إلى المقبرة أن ترتد إليّ روحي قليلاً وأقرأ قصة قصيرة على المشيعين" .
من تلك الحكايات يفتح العسم فضاءً جديداً على عالم قصيدته المشغول بتأملية عالية، ومن تتبع حثيث لحياة التفاصيل، حيث تنكشف علاقته مع الغياب والرحيل، وأثر تجربته المرضية في نسج نصوص موجعه في شعره، إضافة إلى حبيبته الأولى التي تحولت إلى رمز يروي من خلاله عشقه لبلاده .
يصحبنا العسم في زيارة نقرأ فيها الفاتحة على روح المرحوم الشاعر الماجدي بن ظاهر، وإلى قبر جمعة الفيروز، ليكشف علاقته مع أصدقائه الذين لا يتوقف عن زيارتهم رغم وفاة الأول قبل أكثر من أربعمئة عام، والثاني الذي جمعته معه صداقة وقصائد وحياة، فيتحدث عن أثر الفقد والغياب في تجربته، ويقول: "أمضيت ثلاث سنوات من العزلة في حياتي عشت فيها أياماً قاسية كنت أكتب فيها مجموعتي الشعرية التي أتحضر لإصدارها قريباً تحت عنوان "أمينة"، إذ أحسست بأنني لم أعد أكتب قصائد بل صارت القصائد تكتبني وتلبستني حالة قاسية لا يملأها إلا الوحدة والسكوت" .
تنتهي الزيارة بعد أن نعود من جولة في رأس الخيمة، ليهدينا العسم مجموعاته الشعرية الصادرة منذ منتصف التسعينات حتى اليوم، تبدأ بالمجموعة المشتركة "مشهد في رئتي" التي جمعت قصائده مع الشاعر هاشم المعلم، وعبد الله السبب، وتنتهي بمخطوط مجموعته التي يتحضر لإصدارها قريباً "أمينة" .