كان حجازي شاباً عادياً جاء من قريته ليصارع المدينة القاسية، والآن يشعر بالشفقة عليها، لأنها فقدت كل شيء، كان قادما من ريف مصر ليعمل في مؤسسة روزاليوسف، بجوار الشاعر صلاح عبد الصبور، وفي ما بعد يقدر لهما أن يرفعا لواء التجديد الشعري في مصر، ولأن فترة الستينات كان يمتزج فيها الثقافي بالسياسي، علا نجم حجازي آنذاك، ليدفع ثمناً باهظاً مع صعود الرئيس السادات إلى سدة الحكم بسياساته المتراجعة عن الخط الوطني العروبي، الذي سعى عبد الناصر لإرسائه، ووجد حجازي نفسه نتيجة لهذا التراجع منفياً في باريس ضمن هجرة جماعية للمثقفين المصريين في شتى المنافي الاضطرارية، واستمرت هذه التغريبة على مدى 17 عاما، ليكتب أشجار الأسمنت، بعد أن رسخت أقدامه في خريطة الشعر العربي عبر دواوينه: مدينة بلا قلب، كائنات مملكة الليل، لم يبق إلا الاعتراف، مرثية للعمر الجميل، وأخيرا طلل الوقت .
في ديوانك الأول كانت القاهرة مدينة بلا قلب وعبرت عن رفضك لها كيف ترى القاهرة الآن؟
- عندما انتقلت إلى القاهرة في أواسط الخمسينات لأكسب عملاً وأبحث عن مكان في الحركة الأدبية، كانت القاهرة مدينة جميلة جداً ومبدعة، نظيفة، وعندما انتقلت إلى باريس في أواسط السبعينات تذكرت قاهرة الخمسينات، كان بها شوارع مماثلة تماما لشوارع باريس، فالقاهرة في النصف الأول من القرن العشرين كانت بها مناطق وأحياء ومؤسسات تشبه باريس، وكانت لا تزال محتفظة بشخصيتها التي انطبعت على أهلها، كما أن شخصية أهلها المقيمين بها انطبعت عليها أيضاً . جئت إليها وهي شابة قوية، متعالية وشامخة، كانت لا تريد شاباً مثلي من أصول ريفية وفقير، لا يملك شيئاً وهي جميلة وغنية، ولا تصاحب إلا الأغنياء القادرين على الإنفاق، سنوات عدة تعرضت خلالها للجوع، إلى أن جاء ديواني الأول مدينة بلا قلب، الذي استقبل استقبالاً حافلاً، وكان حدثاً جديداً في الشعر العربي وانتصاراً على التقليديين .
صدر الديوان عن دار الآداب في بيروت، والتي كانت تحتضن وتقدم الأعمال الجديدة في الشعر والنثر، وعندما نفدت الطبعة الأولى أصبحت بين يوم وليلة شاعراً مشهوراً، وفي الوقت الذي بدأت أكتسب فيه مالاً وشهرة، كانت القاهرة تفقد كل شيء، تغيرت المدينة البديعة في السبعينات والثمانينات بعد أن تراجع دور الدولة، ولم يعد المسؤولون يملكون الثقافة والذوق والغيرة على عاصمة البلاد، كما أن الطبقة التي بنت القاهرة الحديثة وجملتها لم يعد لها وجود، وهي الطبقة التي تلقت تعليمها في أوروبا، وتأثرت بالحضارة الأوروبية من خلال البعثات التعليمية، ففقدت القاهرة ما كانت تتمتع به، وكنت أنا أنمي طاقاتي، والآن أنظر إلى القاهرة وأشعر بالشفقة عليها، وهذا ما عبرت عنه في قصيدة اسمها أغنية للقاهرة في ديواني أشجار الأسمنت .
لكن حضور المدينة في الشعر كان قليلاً إلى حد كبير فكان الشعراء دائماً ما يتحدثون عن الريف أو الحب، ورغم قرويتك لم تتحدث عن الريف المصري بل وجدنا الحضور الطاغي للمدينة فهل لديك تفسير لذلك؟
- ديواني الأول لم يكن تمرداً عنيفاً على التقاليد الشعرية المعروفة فقط، لكنه كان تمرداً على مستوى الموضوع نفسه، ولم يكن موسيقا جديدة وحسب بل كان موضوعاً جديداً، فكان الشعراء يكتبون عن الحب والريف وكان بعضهم يكتب عن المدينة، ولكن ليس بهذه الكثافة، في مدينة بلا قلب كانت المدينة محوراً رئيساً يفرض نفسه في كل قصيدة، وهذا هو الجديد كما أن الصراع لم يكن بيني وبين المدينة فقط، كما عبر عن ذلك رجاء النقاش في المقدمة التي كتبها في الديوان عندما قال إن الصراع في الواقع كان بين القوى الاجتماعية في مصر كلها ومن ناحية أخرى كان صراعاً حضارياً بين المدينة والقرية، فالثقافة التقليدية بشكل عام كانت ثقافة أرياف وكان ذلك سبباً قوياً في الارتباط بما هو خارج المدينة وبالطبيعة، أما الآن في العصور الحديثة، فاستطاعت المدينة أن تفرض نفسها على الكتابة، فالمدينة على سبيل المثال أصبحت موضوع الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر، بل أصبحت محوراً أساسياً في الإنتاج الأدبي، وكان هذا حدثاً في العالم العربي، وكنت أنا ممثله فإذا كان نجيب محفوظ هو ممثل المدينة في الرواية فأنا ممثلها في الشعر .
بعد 22 عاماً على صدور ديوانك أشجار الأسمنت صدر ديوانك الأخير طلل الوقت فلماذا صمت كل هذه السنوات؟
- انهماكي في الكتابة النثرية أبعدني كثيرا عن الشعر لأنني وجدت أن ما كنا فيه وما ينبغي أن نصل إليه قضية أساسية لا بد أن أضحي من أجلها بالشعر، ولذلك اتجهت لكتابة المقال، فكنت أود أن أصل للقارئ بسهولة وبسرعة، القصيدة لا تحقق ذلك مثلما يحققه المقال، ولذلك خسرت عشر سنوات من الصمت لأنني بشكل عام أصدر كل 7 أو 10 سنوات كتاباً جديداً، كما أنني في الفترة الأولى من حياتي الصحفية لم يكن أحد ينتظر مني نثراً، ولكنني الآن أصبحت مقروءاً ككاتب مقال والسبب الآخر هو القضايا الملحة التي كانت تفرض نفسها ولا أستطيع أن أتجاهلها .
هل أثرت هجرتك إلى باريس في قصيدتك أو عالمك الشعري؟
- عندما سافرت إلى باريس كنت أظن أنني سوف أقيم بها شهوراً عدة أطّلع فيها على الحياة الثقافية الفرنسية، لكن الذي حدث أنني أقمت بها 17 عاماً وعملت في الجامعة وتعلمت اللغة الفرنسية، وأصبحت أقرأها وأكتبها ولم تكن علاقتي بالثقافة الفرنسية منفصلة عن علاقتي بالمجتمع الفرنسي، فما كنت أقرأه كنت أراه وأعيشه وما كنت أعيشه كنت أقرأه وأكتبه، وهذه المدينة، باريس، أثرت في قصيدتي تأثيراً عظيماً فباريس مدينة بها عناصر كونية كثيرة، إضافة إلى أن الثقافة الفرنسية ليست ثقافة محلية وليست قومية لكنها ثقافة لها طابع إنساني وعالمي، وهذا ما انطبع على أشعاري في تلك الفترة، كما يظهر في قصائد كائنات مملكة الليل وأشجار الأسمنت .
أما عن علاقتي باللغة فقد تخلصت من ضغط اللغة اليومية والحوادث التي نعيشها في مصر، وأصبح لدي وعي إنساني كبير، ولذلك أصبحت مصر عندي عالماً من الذكريات ومعنى وروحاً وفكرة أكثر مما هي حياة يومية، فالحادثة التي كانت تلح عليّ وتفرض نفسها بقوة في كتابة القصيدة لم يعد لها هذه القوة وكذلك اللغة اليومية، فتخلصت قصيدتي من المحلية وأصبحت ذات طابع إنساني تعبر عن لحظة إنسانية دقيقة في حياة الإنسان على سبيل المثال قصيدة مرثية لاعب سيرك .
في حقبة الستينات كان هناك ازدهار ثقافي وكانت مصر تعيش عصر النهضة الثقافية وفي عصر مبارك تحديدا كان هناك تراجع ثقافي مرير ولذلك كانت ثورة 25 يناير فما الذي قدمه جيلكم في مثل هذه الظروف؟
- لا أحد يستطيع أن يقول إننا لم نقدم شيئاً في سبيل حرية هذا الوطن، فهناك من تعرض منا للاغتيال مثل فرج فودة، والنفي مثل نصر حامد أبو زيد وأنا شخصيا حجز على أثاث بيتي، وقدمت إلى المحاكمة أنا وحلمي سالم وحسن طلب، أليس هذا كله في سبيل الحرية؟ ولذلك فثورة 25 يناير لم تنشأ من فراغ، ولكنها نتاج لسنوات طويلة من النضال السياسي .
هناك قطيعة بين جيلكم والأجيال اللاحقة فكيف أثرت هذه القطيعة في الساحة الشعرية في مصر؟
- أعتقد أن القطيعة الفنية لا بأس بها لأن الجيل الجديد يريد أن ينشئ شكلا جديدا أو شعرا مختلفا مقطوع الصلة بما قبله، ولكن هناك فرقاً بين من يريد أن يستخدم العنصر بطريقة مختلفة ومن يريد أن يلغيه نهائياً وبشكل عام هناك بحث دائم من جانب الجيل الجديد عن القطيعة، أتحدث هنا عن القطيعة الفنية حيث يعتقد هذا الجيل أنه إذا صار على نهج الماضي فلن يضيف شيئاً جديداً، وهذه فكرة غير صحيحة لأن كل شاعر إذا كان مبدعا حقيقيا فهو قادر على أن يقدم الجديد، لأن لكل شاعر لغة ولكل شاعر عالمه الخاص، فأنا لا أستطيع أن أمنع أحدا من أن يجرب ما يشاء ولا يستطيع أن يمنعني أنا أيضاً من أن أعبر عن رأيي فهناك بعض الشباب لا يستخدمون الموسيقا في شعرهم ويسمون ذلك شعراً كيف يمكن أن أقبل هذا؟
هل استطاع الشاعر العربي أن يعبر عن هموم وطننا العربي؟
- استطاع الشعراء العرب في العصر الحديث أن يعبروا عن جانب أساسي من مشكلاتنا وهمومنا، ولكن هناك أعماقاً داخلية تنتظر أن نعبر عنها فكثير من الشعراء عبروا عن القضايا الكبرى مثل قضايا التحرير والتنمية والتقدم، ولكن هناك هموما فردية لم يعبر عنها أحد، وهناك فرق بين شاعر يقف عند الهموم العامة وشاعر آخر يستطيع أن يتوغل في أعماق النفس العربية سواء رآها في إطار فردي أو في الأعماق الموجودة عند الجميع، والثقافة العربية بشكل عام بها خوف من الاعتراف ومن الكشف، فهناك أشياء مستورة باستمرار والنفاق الاجتماعي له تأثير كبير في الكتابة، فأظن أن القصيدة العربية مازال أمامها وقت حتى تستطيع أن تكشف كل شيء .
قلت قبل ذلك إنك لم تندم على شيء في حياتك مثلما ندمت على قصيدتك التي كتبتها في هجاء العقاد والآن ألم تندم على لقاء الرئيس السابق حسني مبارك؟
- لم أندم على الإطلاق، قابلت مبارك مرات عدة وفي كل مرة كنت أقول له نحن في حاجة إلى الديمقراطية، فعندما دعيت من فرنسا لحضور الملتقى الثقافي العربي الذي عقد في مصر وكان هو حاضرا تحدثت معه عن كل سلبيات النظام، وأيضاً عندما تعرض للاغتيال في أديس أبابا وطلب مني أن أقول كلمة المثقفين المصريين عبرت عن رفضي للدكتاتورية، ولماذا أمتنع عن مقابلته؟ فالذي يريد أن يكون له موقف مختلف كان عليه أن يذهب إليه ويقول له أنت طاغية، وفي المقابلة الأخيرة لم أتحدث كثيرا، لأن الحديث كان بشأن الجماعات الدينية ولا أحد يستطيع أن يزايد عليّ في مسألة الديمقراطية والتعبير عن حرية الرأي، فعليهم أن يرجعوا إلى مجلة إبداع وسيعرفون ما الذي فعلته دفاعاً عن الحرية!