المسلك البياني الثالث جاء عبر اللوحة التي أطلقها آنذاك شاكر حسن آل سعيد وقد اتخمها بالإشارات والحروف والأرقام وأنظمة الأوفاق، كما اتبعها بكتابات نظرية ركزت على مسألة البعد الواحد، الأمر الذي أدى إلى إطلاق تيار حروفي بدأ يتنامى بسرعة مذهلة مرتكزاً على اجتهادات عديدة، لكل من جميل حمودي وقتيبة الشيخ نوري وعدد كبير من الفنانين الشباب العراقيين الذين سبق أن أعلنوا تمردهم عبر معرض جماعة المجددين، في صالة كولبنكيان في بغداد أوائل الستينات.

كانت الحركة الحروفية قد انطلقت بمواصفات جاهزة وبثيمة أساسها الحرف العربي، ولكن بصحبة غطاء نظري كثيف، لو راجعناه الآن بهدوء وبمعزل عن الرعشة التي كانت تنتابنا في أول الأمر جراء تعميم النص اللغوي الصوفي، فإننا سنجد نفياً ذاتياً لما سماه الفيلسوف الأول للحروفية المرحوم شاكر حسن آل سعيد بالوجود للإمكان الموجود.

فعندما يرسم الفنان العالم الخارجي بشيء من التحوير، أي أن يضع مسافة ما بينه وبين العالم الفني سواء بواسطة التشويه أو إعادة التكوين وليس بواسطة التجريد فهو إذن يجعل من الوجود الفني ظاهرة ابتعاد عن الواقع، وهو عند الإمكان لا يحقق وجوده على حساب العالم الخارجي، فقد أصبح الآن معلقاً بالمعنى الفنيومونولوجي وذلك لكي يتم فيه التعبير عن الرأي الشخصي للفنان.

وعندما يرسم الفنان العالم الخارجي باعتباره قيمة فحسب، أي أن يقلبه من كونه عالماً ظاهرياً إلى عالم باطني وذلك باللجوء إلى التجريد، ورفض الموضوع الطبيعي بواسطة الأشكال فسوف يحيل العالم الظاهري الموجود إلى وجود- إمكاني وليس إلى عدم محض، بمعنى آخر ان العالم الخارجي استحال إلى حضور مجرد، وهكذا فإن تحقيق الإمكان كوجود أو الإمكان الموجود في الفن ليس بالتعبير عن رأي الفنان الشخصي كما كان في المرحلة السابقة بمقدار ما هو رؤية فنية معينة بالأساس.

وعندما يرسم الفنان العالم الخارجي كحضور مجرد ليس كعالم خارجي فسوف يحيله إلى إمكان للوجود الممكن أي إنه إظهار للعالم الباطني- سيحيل بالتالي العمل الفني إلى وجود للإمكان الموجود، أي يعكس العالم الخارجي في أماكنه.

وهنا لم يعد العمل الفني تقريراً للعالم ولا تحويراً أو غياباً له بل هو حالة جديدة تعبر لنا عن اللاتقريرية واللاتحويرية واللاغياب معاً في آن واحد، ذلك أنها بمثابة حالة سلبية ذات ماهية إيجابية وهو ما يوازيه في التصوف القول بحالة تفريد- التجريد فالتجريد هو ألا يملك الصوفي شيئاً، والتفريد ألا يملك.

والفنان في هذه الحالة يرفض وجود العالم الخارجي كما هو، كما يرفض العالم الفني كما هو، لأنه يقبل من حيث المبدأ، تفاني كل منهما في الآخر، يسميه الفنان شاكر بجوهرة التفاني.

وهنا يصير الفنان عنصراً من عناصر العمل الفني نفسه.

نستخلص من كل ذلك ومن صلب التأويل الفلسفي للوحة البعد الواحد وهي لوحة حروفية الثيمة، تجريدية الإيقاع، ولا تقريرية الحضور الفني العام، بأن اللوحة الحروفية وضعت ذاتها في مأزق بالغ التعقيد والخطورة لأنها ليست عملاً فنياً مكتملاً، بل هي حالة سلبية ذات ماهية إيجابية.

يكتب آل سعيد أولى خطوات تراجعه أواسط السبعينات تحت شعار العودة من التقريب إلى التشويق، وإرجاع اللوحة الفنية العربية المعاصرة إلى حالة من التأصيل الذهني القائم على فكر تأويلي يربط بين الاستلهامية الفكرية في الجملة الصوفية ذات التركيب الباطني الغريب، واستلهام الإشارة التمويهية المنبعثة من الحرف.

لكن حروفيين آخرين سوف يتوغلون كثيراً في خاصرة الحرف العربي، وها هو السوداني إبراهيم الصلحي الذي أخذ كامل حرفية الإيقاعية وهو يؤلف عناصر بنائية للوحته، بحيث يتحول الحرف عنده إلى عبارة متكاملة تجر إلى بناء الأقواس والأطر بالقدر الذي تفرض نظامها شبه الهندسي، لكنه وبأكمله بمثابة كورال يغري بمتابعة التفاصيل، وهذا غير واقع التداعي الكتابي في لوحة حروفية نصية عند بشير إدريس بحيث نجح هذا الفنان في تحويل الحروف إلى أصوات تلتقي رمزياً مع الإشارات.

أما مؤسس حركة الواحد الفنان السوداني الكبير الراحل أحمد عبدالعال فهو يرتقي إلى الوضوح التصويري لكنه لا يصرح بالنص بل يلمح بمحتواه الروحي ولذلك تختزن لوحته الكتابة والشكل معاً.

إن قراءة جديدة لبيان الأربعة الذي أطلق عليه كاتبه وقائد تجمعه شاكر حسن آل سعيد اسم بيان البعد الواحد تعيدنا الآن إلى إشكاليات تفسير الفنان ذاته أو قراءته فنياً أم فكرياً، كفيلسوف ومنظر للحروفية العربية أم كرسام منفذ للوحة الاستلهامية؟

إن أحد التفسيرين للأستاذ شاكر حسن آل سعيد هو تفسير تأويلي ناقش الغطاء الفكري الذي أعطاه للوحته ولمدرسته الحروفية، وقد استخلصت المناقشة هنا من القاموس الصوفي وهي مناقشات يمكنها أن تنطبق على التفسير وليس على العمل الفني، بحيث سنقف أمام لوحة آل سعيد مستلبين كلياً ونحن نقرأ تفسيراً للتفسير من دون أن نقرأ العمل الفني قراءة نقدية، وقد نجح ناقد في الهروب من هذا الأسر وناقش لوحة آل سعيد مناقشة نقدية وهو الأستاذ سهيل سامي نادر.

أما مأزق الحروفية العربية فقد كمن في الإصرار على الفرادة التامة، بمعنى الانقطاع المطلق عن الدائرة العالمية من جهة، ومن مؤثرات الفكر العام الأممي من جهة أخرى.

الفرادة مقتل لأنها ستدعي الاكتمال فيما كل اكتمال للعمل الفني هو انتهاء حقيقي لمسيرته وتطوره، إن العمل الفني الإبداعي هو صيرورة مستمرة واكتمال لا سقف له، لذلك سنرى بأن الادعاء بالسقف الأخير للحروفية العربية هو الحكم الأول الذي صدر ضد الديمومة من قبل بعض المغالين على الحروفية العربية، فيما الدعوات الجديدة التي طالبت بعصرنة العمل الفني العربي بغض النظر عن التسميات والإيقاعات، أدركت بأن الحرف والإشارة حتى وإن حضرت في صلب العمل الفني العربي الحديث فإنها لا تشير بالضرورة إلى الانتماء الحروفي.

سنناقش هنا قضية الزمان وإشكالية المكان في اللوحة الحروفية لنكتشف بكل بساطة ويسر أنها تلتقي في المنحنى مع التيار التجريدي الغربي العام.

فالمدرسة الاستلهامية التي أهلها الرسام المفكر المرحوم شاكر حسن آل سعيد كانت معنية بمسألتي المكان والزمان في العمل الفني الإبداعي.

فالمكان كما يعرفه الفنان والمفكر آل سعيد وهو يؤكد أن على المبدع العربي الجديد المشتغل بالفنون المكانية أن يعيه ويستوعبه، معارضاً بذلك المفهوم الأرسطوطاليسي للمكان والذي يعتبره الحد الأقصى للجسم غير المتحرك، وبمعنى آخر كان المكان هنا غير منفصل عن جسم الكون وهو متناه.

وما بين أن يكون المكان أزلياً لا متناهياً وبين أن يكون حداً أقصى للجسم الثابت، وهو متناه يضع آل سعيد المكان الفني معزولاً عن المادة- هنا النتاج الإبداعي- الذي هو ماهيته الذاتية ومرتبطاً بالنفس التي هي كشف عن التوق إلى الاتصال والاندماج بالزمان الفني الكلي لأن الزمان هنا هو نوع من الحركة- يسميها آل سعيد بالصيرورة- لكنه على العكس من بول كلي لا يمنح هذه الصيرورة ميكانيكية الاستمرار واللاتوقف بل يعطيها طابعها المرحلي الذي يحدده المستوى الإدراكي للعمل الفني.

لقد فقدت الأغطية الفلسفية للتيار الحروفي تبريراتها الفاعلة مع بداية التسعينات، وجنوح مؤسس الحروفية ذاته الى ناحية التأسيس السلبي للمسطح التجريدي إبرازاً للقوة الإيجابية الكامنة، وسط شق في الجدار، أو حرق في موضع وتمزق في صورة أو مشروع صورة غير مكتملة، وهنا تنبه الأتباع فحصل التحول سيما بعد الهجرة الكثيفة للفنانين العراقيين إلى منافي الدنيا، واختلاطهم بالمدارس والمحترفات الأوروبية التي تطل منها قامة الفنان وشخصيته عبر أسلوبه الذي يجب أن يتميز بالشكل قبل المضمون. حيث التنوع الماتيريالي على مستوى المادة المستعملة بالرسم أو التنفيذ بات هماً مركزياً حول اللوحة المعاصرة إلى فن وظائفي Conceptual art أسقط اللوحة الصالونية، وغلب حالة اللاديمومة على أزلية العمل الفني بوصفه انتماء للمكان.

لكنه في الوقت ذاته قدم كشوفات جديدة على مستوى الخامات، وكسر احتكار اللوحة المعلقة أو الصالونية للتشكيل، إذ اتسعت وتنوعت الأساليب والوسائل التعبيرية، فصارت جميع الخامات تنتج أعمالاً فنية. إنه فن ما بعد الحداثة أو ما بعد التجريد، فهل نحن أمام قفزة جديدة؟ أم أمام عودة دادائية متجددة من دون تزارا ومن دون دعم من الإنرشست الفوضويين الذين رفعوا سكاكينهم بوجه الموناليزا ذات الابتسامة الغامضة تحت شعار اهدموا اللوفر.

إن هذا التطور الشمولي العام الذي خلق مأزقاً أو حلاً- لا أحد يعرف- ليس أمراً مستغرباً على الفنان، إذ إن أغرب ما نستطيع أن نستخلصه من توسعنا في دراسة بعض النماذج حتى ضمن إطار الحروفية العربية، بأن إحالة الإبداع التشكيلي الحروفي إلى دائرة السحر الحرفية لا تقل خطورة عن القفزات المدهشة في فنون التجهيز وفنون الوشم وفنون الليزر أو فنون الفوتوشوب أو ال DVD.

إن تلخيصاً أساسياً للمسطح التصويري لا بد أن ينطلق من معرفتنا لأصول الأشياء في تكوينها، فكل سطح هو عبارة عن بعدين، وكل جسم هو ثلاثة أبعاد.

- فمن النقطة إلى النقطة ينوجد الخط.

- ومن الخط إلى الخط ينوجد السطح.

- ومن السطح إلى السطح ينوجد الحجم.

والعمل الفني هو في الواقع توظيف ذكي للنظر ضمن عملية تربط الرؤية البصرية بوظائف العمليات العقلية مع وجود الطاقة التنفيذية للعمل الفني ضمن ما نسميه بالقامة الفنية المتكونة عبر التدريب والدراسة والمران.

اللوحة العربية اليوم، في مرحلة ما بعد سؤال التأصيل المحير، وما بعد التجارب الحروفية، فالعالم الفني التشكيلي اليوم هو عالم اختياري تجريبي بامتياز، لكنه يؤكد على حقيقة مهمة قوامها ان ميكانيكيا الإنتاج الفني التشكيلي قياساً على الفنون المكانية كلها تضم بين طياتها حالة الاستقرار الاستاتيكا والديناميكا التي هي علم الحركة، والعالم المتسارع اليوم بسبب ثورة ال Q.C.B أي الكوانتوم والكمبيوتر والبيولوجيا، يتأكد تحوله من السكون إلى الحركة، وليس العكس كما كان يعتقد بعض الفنانين المفكرين أمثال بول كلي الذي يرى أن المسار الفني هو سير حثيث نحو الاتزان حتى تتوقف التضادات وتنقلنا إلى مجال السكون.

نحن أبناء هذا العالم الذي أضحى بحجم طابع البريد، والمحلية التي فقدت خواصها ضمن العالمية ليست خيارنا النهائي، بل سعينا إلى الاندماج بالعالم والتفاعل معه، ثم التحرك ضمن هذا الكورال الكوني الإبداعي الأكبر.

#183; نص ألقي في الندوة التخصصية بمتحف الشارقة

#183; بمناسبة المهرجان 12- فلك الفسيفساء