تحقيق: محمد ياسين
تشكل الدراسات والأبحاث المرتكز الأساسي للتقدم العلمي في مختلف المجالات، ومنها المجال الطبي بالتأكيد، فبناء على ما تتوصل إليه هذه الدراسات والأبحاث من نتائج، خاصة حين تكون كبيرة وموسعة وتشمل أكثر من قارة ودولة، تحدث تغييرات، جوهرية وثورية أحياناً في طرق وأساليب الوقاية والعلاج .
لكن تضارب النتائج البحثية وظهورها بشكل متناقض في بعض الحالات تجعل الإنسان المتخصص يحار في معرفة الحقيقة، فضلاً عن الشخص العادي، لكن هذه الأمور لا تغيب عن المختصين والعلماء، إذ إن النتائج تعتمد بشكل كبير على المنهجية والطرق المستخدمة في التجربة العلمية، والتي في ضوء نتائجها تبنى التوصيات النهائية للبحث التي تجد من يؤيدها تماماً وتجد أيضاً من يعارضها بشدة إلى حد تدفع معارضته إلى سحب البحث برمته، كما حدث مؤخراً مع الباحثة اليابانية هاروكو اوبوكاتا من معهد ريكن شبه الحكومي التي اضطرت بعد أشهر من النقاش والجدل إلى سحب ورقتين بحثيتين نشرتهما مجلة "نيتشر" العلمية المعروفة في مجال الخلايا الجذعية بعد أن قلبت النتائج التي زعمت أنها توصلت إليها موازين البحث العلمي رأساً على عقب، بينما اعترف معهد ريكن بأن التحقيقات التي أجراها توصلت إلى ان اوبوكاتا سرقت بحوثاً ولفقت الورقتين البحثيتين ما فجر شكوكاً بشأن مدى صدقية البحوث العلمية في اليابان .
وعلى نحو مماثل، كان "هارفي التر" العالم في "المعهد الوطني للصحة" هو الفائز مناصفة بجائزة "لاسكر 2000" وهي الجائزة الأمريكية المعادلة لجائزة "نوبل" لدوره في اكتشاف الفيروس الذي يسبب الالتهاب الكبدي من النوع "سي"، ولأبحاثه في مجال تحسين درجة الأمان في عمليات نقل الدم في المستشفيات الأمريكية . ولكن بعد ذلك التاريخ بأعوام قليلة احتل اسم "التر" واجهات الصحف ولكن لسبب آخر هذه المرة، حيث كان الرجل هدفاً لهجوم شرس شنته عليه الصحافة لقيامه بقبول 34 ألف دولار على هيئة رسوم استشارية من شركات قطاع خاص عدة خلال المدة ما بين 2001 و،2003 ليتحول الرجل بذلك إلى ضحية أخرى من ضحايا الحملات المضادة لما يوصف بأنه تضارب المصالح في مجال الأبحاث الطبية والعلمية .
ومع أنه لا يوجد سوى القليل من الأدلة القوية التي تثبت أن الروابط المالية بين الباحثين الجامعيين أو الحكوميين وشركات الأدوية تؤدي إلى خلق مخاطر صحية للمستهلكين، فإن ما يحدث هو أن تلك الروابط يتم تصويرها على أنها خطرة، وأنها تفسد السعي العلمي للوصول إلى الحقيقة، وتهدد الناس .
ولذلك فإن تضارب النتائج البحثية هو مجال مطروح للنقاش دائما في مؤتمرات وحلقات النقاشات العلمية (الطبية منها بالذات) لأن مخرجاتها تمس وبشكل مباشر صحة الإنسان التي لا مجال فيها للتقدير والتجربة مبهمة النتائج . ونطاق المشكلة يتسع أكثر عندما تصدر النتائج البحثية كأنها فتاوى صحية أو طبية عن هيئات ومنظمات دولية متخصصة، ما يوقع الشخص العادي في دائرة من الشك والإرباك عند سؤال أحد الأطباء عنها ليجد عنده تفسيرات مختلفة ومتنوعة تستند إلى نتائج دراسة أو بحث ما يجعله يزداد حيرة وتشككاً، بينما قد يسمع في المقابل من طبيب آخر أو جهة أخرى تفسيرات تعتمد دراسة أو بحثاً مضاداً في الاتجاه، علماً بأن هذه المراجع البحثية تكون موثقة من قبل هيئات علمية مشهود لها داخل الوسط الأكاديمي، لكن اختلاف النتائج يجعل الجمهور في حيرة من الموضوع .

بحوث طبية محكمة


يؤكد الدكتور أنور الحمادي، استشاري أمراض جلدية في مدينة دبي الطبية حقيقة أن الأبحاث العلمية تتضارب بالفعل، ويقول: "البحوث الطبية المحكمة تكون لها مرجعية ومنشورة في مجلة علمية، أما الاعتماد على بحث جرى بواسطة المختبرات الداخلية للشركات فمن المؤكد أنه لن تكون له مصداقية علمية، لأن ذلك يخدم أهداف تلك الشركات بهدف التسويق والربحية" . ويؤكد الدكتور الحمادي أن الاعتماد على بحث يجب أن تتوفر له عدة أمور من أهمها البيئة التي تمت بها الاختبارات، ونوعية المشمولين في الدراسة أو البحث من حيث لون البشرة والمناخ والجنس، فتجد أن بعض الأبحاث في أمريكا وأوروبا توصي باستخدام علاج معين للجلد قد لا يتناسب مع بشرتنا ومناخنا في منطقة الخليج، وقد يتسبب في أمراض سرطانية وأمراض أخرى لم تكن شائعة لدينا من قبل .
وحول تصديق نتائج جاءت على خلاف سابقتها من جهات أكاديمية معروفة يقول: "بالفعل تختلف النتائج حسب الدراسة والبحث من عناصر جغرافية وعرقية ونوعية وغيرها من المكونات التي تعتمد عليها البحوث العلمية . فهناك أبحاث تتكلم عن فوائد فيتامين "سي" وأخرى تتحدث عن المشكلات التي تصيب من يستخدم فيتامين "سي" وتعرضه لحصى في الكلى وغيرها كثير من النتائج لأبحاث علمية محكمة" .
ويشير إلى تأثير الأبحاث مختلفة النتائج في المزاج العام للجمهور والأطباء بصفة خاصة، فتبني نتائج لهيئة علمية يجب أن يكون موثقاً بشكل جيد من حيث الأخذ في الاعتبار المناخ الجغرافي الذي قامت عليه الاختبارات وقوة المقال بالرجوع إلى مصادر موثقة وقدرة الترجمة العلمية الصحيحة .
ويكمل حديثه "إن بحثاً عن أشعة الشمس ومدى ضررها على الصحة نشر وكان له أثر في الناس من دون التطرق إلى أن البحث أجري على أصحاب البشرة البيضاء التي تختلف عن بشرتنا، فجاءت النتائج بالمشكلات التي تصدر عن أشعة الشمس مثل السرطان وغيرها من الأمراض الأخرى، فتجد موضوع البحث نفسه يتطرق إلى الفوائد الجمة المصاحبة للتعرض للشمس من امتصاص فيتامين "د" وأثره الطيب في صحة الإنسان" .
ويشدد الحمادي على أن قبول بعض الأبحاث ونتائجها يتم وفق أسس كثيرة، منها أن تكون محكمة ولها مصداقية ومصادرها معروفة، حتى لا نقع في مشكلات، ومن المؤكد أن هناك أبحاثاً كثيرة تصدر لمصلحة الشركات لكنها في الأغلب تكون ضعيفة .
وبرأيه، فأن الدولة مهتمة بالبحث العلمي، وتوجه بضرورة الاعتماد على النتائج العلمية في مجال الصحة رغم المعوقات التي تواجه البحوث من حيث قلة عدد الأطباء .

ظاهرة التسوق الطبي


وعن الاعتماد على أكثر من رأي وطبيب في الحالة نفسها يقول الدكتور أنور الحمادي، إن ذلك ليس خطأ، ولا يقلل من شأن الطبيب، ولا ضرر من مراجعة المريض لاستشارة أكثر من طبيب، فالمدارس الطبية كثيرة ومتنوعة، وأحياناً تختلف في طرق العلاج وعمل الفحوص، لكن الالتزام بخطة علاجية واحدة بعد المراجعات هو أساس العلاج، فعلى سبيل المثال معروف عن الأمراض الجلدية أنها تحتاج إلى فترات علاجية طويلة، فيجب ألا يغير المريض خطته العلاجية بعد بدئها، خصوصاً حين تكون فترة علاجه قد أوشكت على الانتهاء" . ويرى الدكتور الحمادي أن هناك بعض الممارسات غير المسؤولة من بعض الأشخاص الذين يحملون بطاقات التأمين، تتمثل في مراجعات مستمرة لأطباء من دون الحاجة إليها، فأحياناً تجد مريضاً يتجول بين عدد من الأطباء من التخصص ذاته في اليوم نفسه أو خلال فترات متقاربة من دون الحاجة الفعلية لمثل هذه الزيارات .

علمية لا بحثية


من جانبه، يرى الدكتور هيمن النحال، اختصاصي التشخيص الحدقي والطب التكميلي أن هناك فرقاً بين معنى التضارب في النتائج البحثية واختلاف وجهات النظر العلمية حولها، ويوضح: "لا نستطيع أن نقول إنه تضارب أكثر منه اختلاف في وجهات النظر العلمية وليس البحثية، فكل يوم يوجد اكتشاف جديد يغير مجرى النتائج التي ارتكز عليها البحث العلمي، فاكتشاف مادة فعالة تدخل في تركيبة دواء أو عشب معين، يغير نتائج البحث والعلاج، وتجد أيضاً الفروق والتباين في البيئة التي قام عليها البحث من مكونات بشرية وزمنية ومعلوماتية لها دور كبير في سير العملية البحثية التي تتم في خطوات مدروسة ومعروفة علمياً يتبعها الباحثون لكي تأتي بالنتائج الصحيحة" .
ويتفق الدكتور هيمن النحال مع الرأي القائل إن هناك بحوثاً كثيرة لا تتوفر لها العوامل الأساسية بسبب قلة العينة واختصار وقت البحث وبالتالي لا تكون قوية ولا يؤخذ بها طبياً .
ويتابع "تختلف نتائج البحث في الطب التكميلي حسب طريقة إجراء البحث للأجزاء المختلفة من العشب، فاستخدام الأوراق يختلف عن استخدام الجذور أو استخدام العشب الكامل، وللأسف الشديد فإن بعض الناس لديهم مفهوم خاطئ عن الأعشاب بأنها بأجزائها المتنوعة تفي بالغرض نفسه" .
وعن رأيه في مسألة الاعتماد على أكثر من طبيب ورأي، قال: "إن استشارة أكثر من طبيب، خاصةً في الأمراض المزمنة التي لم يتوصل الطب لعلاج حقيقي لها كأمراض المناعة الذاتية، أمر مقبول بشرط أن تكون الآراء متشابهة وليست متضاربة، أما في حالة الأمراض العادية، فان رأياً طبياً واحداً يكفي مع ضرورة التزام الطبيب بالأمانة والصدق الطبي واعتماد بحوث محكمة" .
ويعتبر الدكتور هيمن النحال أبحاث الطب التكميلي أنها من الأبحاث المؤثرة، ويشير إلى دراسة أجريت على الزنجبيل والكركم أثبتت أن تأثير المواد الفعالة فيهما تختلف من شخص لآخر، وقال "إن هذا أمر شديد الأهمية، وينبغي أخذه في الاعتبار لدى طبيب متخصص في الطب التكميلي، الذي يطلب تحاليل قد تغير من الخطة العلاجية" .
وشدد على الدور السلبي الناتج عن اختلاف نتائج الأبحاث وتأثيرها في المزاج العام للجمهور، ووصف ذلك بعدم وجود مرجعية واحدة داخل كل دولة، ووجود مراكز بحثية متنوعة تصدر عنها العديد من الأبحاث المتضاربة التي تؤثر بالسلب في الجمهور، فتجد القهوة مفيدة في إحدى الأبحاث، بينما نجدها مضرة في أبحاث أخرى، خصوصاً لمرضى الحساسية أما لمرضى الضغط فهي جيدة، و"الميرمية" نجدها مفيدة لمرضى القلب في بحث، ونراها في بحث آخر تسبب مشكلات لمريض القلب .
ويؤكد الدكتور هيمن النحال "إن البحث المستمر عن مصدر المعلومة هو الأساس السليم، فبحث أجري عن طريق جامعة معروفة أو مركز معروف في المجال الطبي والعلمي يختلف عن معلومة يتم التقاطها عن طريق موقع الإلكتروني" .
ويؤكد الدكتور هيمن أن دور شركات الأدوية بالطبع هو الترويج والتسويق والربح، ويكمل الحديث "لا أثق ببحث أجري عن طريق أحد مختبرات الشركات"، والدليل على صحة هذا الكلام أنه بعد الترويج وبيع دواء سنوات عدة، تجد أن الوزارة والهيئات الصحية تسحبه من الأسواق لوجود ضرر بهذا المنتج أو ذلك" .

الطب مجال متجدد


ويتفق الدكتور هشام عبدالباقي، مدير مركز دلما لجراحة العظام في دبي مع الرأي القائل إن نتائج الأبحاث الطبية تختلف عن نتائج الكثير من العلوم الأخرى، ففي هذه العلوم مثل الكيمياء و الفيزياء مثلاً، تتم دراسة أثر أي شيء عن طريق عمل تجارب يتم فيها التحكم في جميع العوامل التي قد تؤثر في نتيجة هذه التجربة (مثل الحرارة والضغط والرطوبة) وبالتالي تكون نتيجة الدراسة مؤكدة ودقيقة .
أما في مجال الطب فلا يمكن التحكم في جميع العوامل التي تؤثر في نتيجة الدراسة . فالمرضى موضع إحدى الدراسات قد يختلفون عن مرضى دراسات أخرى من حيث صفاتهم الوراثية والبيئة التي يعيشون فيها، والغذاء الذي يتناولونه، وبالتالي قد تختلف النتائج من دراسة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى في العالم .
ويرى الدكتور هشام أن من الجائز أن يرى المريض أكثر من طبيب، لكن عليه أن يعرف أن اختلاف آراء الأطباء أمر شائع في كثير من الحالات التي لم يحسمها العلم بصورة كاملة، ويجب ألا يتم النظر للآراء المتباينة على أن أحدها صواب والبقية خطأ .
ويعلل كيف تختلف النتائج في الموضوع نفسه من جهات علمية معروفة، بالقول إن "العلم يتطور كل يوم ويحدث أحياناً أن يتم استحداث وسائل جديدة للتشخيص أو التحليل تؤدي إلى الوصول لمعلومات كانت مجهولة من قبل أو معلومات تنافي ما كان يتم اعتقاده سابقاً . وبالتالي تخرج إلينا أحياناً أبحاث تلغي ما كان متعارفاً عليه من قبل" .
ويعبر عن تأثير الأبحاث في مزاج الجمهور بالقول: "لا شك في أن تضارب نتائج الأبحاث قد تهز ثقة بعض المرضى بالطب، لكن عليهم إدراك أن الطب مجال متجدد دائماً وأن الأطباء في ديمومة رحلة البحث عن كل جديد، وأن العلم لم يصل بعد إلى الإجابة عن جميع الأسئلة" .
ويكمل "أصبحت هناك معايير محددة ومقننة في عمل الأبحاث الطبية لتجنب الاستنتاجات الخاطئة ولإظهار مدى دقة المعلومات المقدمة فيه . والشركات دائماً ما تسعى لإجراء أبحاث تساعد على إظهار منتجاتها بصورة جيدة، لكن هذه الدعاية المستترة أصبحت أمراً منبوذاً ومحظوراً في الأوساط العلمية، فعلى سبيل المثال عند نشر أي بحث في مجلة علمية أو إلقاء محاضرة في مؤتمر طبي، يشترط أن يذكر مقدم البحث أي علاقة له بشركات تتصل بموضوع بحثه، وأن يتجنب ذكر أسماء منتجات شركات بعينها، إلا في أضيق الحدود وللضرورة فقط" .

دراسة متعددة الجوانب


من جانبه، يرى الدكتور صلاح أبوسنينة، مدير مركز راشد للسكري، أن من الوارد جداً أن تتضارب نتائج بعض الأبحاث من حيث النتائج المتوقعة والحلول المستنتجة، وقال إن ذلك قد يعود لعدة أسباب من أهمها طبيعة بيئة البحث واختلافها من بلد لآخر، واختلاف الأشخاص المشاركين في الأبحاث من حيث العمر والعدد والعامل الوراثي والإصابة بالأمراض والاختلافات الاثنية والعرقية، فجميع تلك العوامل المذكورة وغيرها الكثير لها أثر بالغ على تغير نتائج الأبحاث من مكان لاخر .
ويعتبر الدكتور صلاح استشارة أكثر من طبيب والاستعانة بأكثر من رأي طبي أمر مقبول، خصوصاً إذا اقتضت الحاجة، بل ومن المفضل أحياناً في الحالات التي قد تتطلب بعض الإجراءات الطبية الخطرة ان تتم دراسات الحالة الواحدة بأكثر من زاوية خصوصاً إذا كان المريض يعاني أمراضاً عدة .
وحول تصديق النتائج التي تختلف من جهة إلى أخرى يقول الدكتور صلاح إن اختلاف نتائج الأبحاث وارد ويحدث حتى في المجال الواحد عند الأخذ في الاعتبار الاختلافات الجغرافية والبيئية، فالنتائج المتوقعة عند دراسة نقص فيتامين "د" على سبيل المثال لدى أشخاص يعيشون في دولة حارة أو استوائية قد تختلف بشكل جذري عن نتائج أشخاص آخرون يقيمون في مناخ بارد وغير مشمس . فدائماً وعندما تكون الدراسات في المرحلة البحثية قد تتضارب النتائج ما يستدعي ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث للتحقق من النتائج الصحيحة وعند تلك المرحلة يجب تصديق النتائج الأخيرة من قبل المؤسسات البحثية العالمية قبل اعتماد تطبيقها عملياً .
وينوه الدكتور صلاح إلى انعكاسات تلك الأبحاث المتضاربة على مزاج العامة وتأثيرها، خصوصا عندما تكون تلك البحوث في إطار المرحلة البحثية ولم تنتقل إلى مرحلة التطبيق الطبي العلاجي بعد، ما يؤدي إلى فهمها بطريقة خاطئة وبالتالي يترتب بعض الأثر السلبي على الجمهور، وهنا يأتي دور وسائل الإعلام ومسؤوليته في نقل المعلومة البحثية الصحيحة واستقصاء الحقائق من الجهات الموثوق بها في المجالين الطبي والعلمي .
ويؤكد على دور الدول في حماية البحث العلمي من خلال القوانين واللوائح فيما يتعلق بالنظم والإجراءات المتبعة قبل الشروع أو البدء بأي بحث، مشيراً إلى أن وزارة الصحة في دولة الإمارات العربية المتحدة تعتمد لجنة أخلاقيات البحث والمسؤولية من التدقيق في المرجعيات العلمية والطبية لأي بحث مزمع إجراؤه، والتأكد من ضمان حصول المشاركين في البحث سواء كانوا مرضى أو أصحاء على أعلى معايير السلامة من المخاطر المتوقع حدوثها .

أبحاث الشركات لا يعوّل عليها


ويرى الدكتور قيس الزبيري استشاري أمراض باطنة وقلب، أنه ليس من الغريب أن تتناقض نتائج بعض البحثوث العلمية، وأن يعاد إجراؤها مرة وأخرى حتى الوصول إلى صيغة مُرضية تفي بالغرض الذي قامت من أجله، أو أن تلغى .
وقال إن الأبحاث المعتمدة لا يؤخذ بها إلاّ بعد أن توثق وتعتمد من جهات ومراكز أو جامعات رصينة ذات سمعة وكفاءة علمية عالية، وتنشر في مجلات علمية متخصصة ومعروفة، ثم تدخل في المراجع الطبية والنشرات الرصينة وليست التجارية .
ويؤكد الدكتور قيس الزبيري أن الأبحاث التي تجريها الشركات أو النشرات التي تصدر عنها لا يعوّل عليها ولا يعتدّ بها ما لم تكن مؤيدة من جهة علمية رصينة .
وقال إن على الجمهور أن يتقصى عن مصدر الخبر أو المعلومة قبل أن ينساق وراءه، وعليه ألا ينساق وراء الأخبار الصادرة عن مصادر ركيكة أو تجارية وليست معروفة .
وعن استشارة المريض لأكثر من طبيب نتيجة تضارب المعلومات قال إن من حق المريض أن يأخذ رأي أكثر من طبيب، خاصة في الحالات المعقدة، وأن يكون الرأي الأرجح لطبيب ذي خبرة عالية ومشهود له بالكفاءة والسمعة وله باع طويل في حقل اختصاصه .

هل تتدخل شركات الأدوية في نتائج البحوث الطبية؟


لعبت الشركات الخاصة العاملة في مجال التقنية الحيوية وغيرها من شركات العقاقير، دوراً كبيراً في مجال الأبحاث الطبية الرائدة . وكوّنت علاقات مع كثير من العلماء وأساتذة العلوم الجامعيين اللامعين، الأمر الذي كان سبباً في تحقيق تقدم هائل في مجال العلاج . ولكن تلك العلاقات استدعت، لسوء الحظ، تدقيقاً من هؤلاء الذين يؤمنون بأنه مع وجود هذا الكم الهائل من الأموال في مجال التداول، فإن الفساد يصبح نتيجة حتمية . فبدلاً من افتراض أن العلماء سيريدون أولاً وقبل كل شيء حماية شهرتهم وأبحاثهم من أي شائبة تشوبها، فإن النقاد تناسوا ذلك وافترضوا أسوأ الاحتمالات بشأن هؤلاء العلماء، لا بل قللوا من أهمية التأثير الإيجابي للعلاقة بين الباحثين الجامعيين والشركات .
وقد طفا هذا الموضوع على السطح مؤخراً، عندما قامت مجموعة لحماية المستهلك هي "بابليك سيتيزين" بالتحقيق في التحيزات والتضاربات المادية بين الخبراء العاملين في اللجنة الاستشارية للعقاقير التابعة لإدارة الأغذية والعقاقير، وهي لجنة من اللجان التي تستخدمها هذه المؤسسة، والتي يتكون العاملون فيها من باحثين جامعيين وغيرهم من كبار الخبراء في هذا المجال، وتقوم بتقييم العقاقير الجديدة وتقديم توصيات حول الموافقة عليها، وهي توصيات تلتزم "الإدارة" باتباعها عادة .
وقامت "بابليك سيتيزين" بمراجعة 221 اجتماعاً من اجتماعات اللجنة خلال السنوات 2001 إلى ،2004 وتبين لها من خلال تلك المراجعات أنه على الرغم من أن ثلث عدد أعضاء اللجنة الاستشارية، يرتبطون بعلاقات مع شركات الأدوية، فإن تلك العلاقات لم يكن لها تأثير ذو بال في عملية الموافقة على العقاقير ورفضها، بمعنى آخر أنه لم يكن هناك دليل دامغ على تورط هؤلاء الأعضاء في أية مخالفات .
ومع ذلك، فإن تلك المجموعة استنتجت أن العملية مفعمة بالصراعات بدرجة لا تجعلها مناسبة للمستهلك الأمريكي، ومما ساعد على تعضيد قضيتها المكان الذي نشرت فيه وهو مجلة الجمعية الطبية الأمريكية JAMA التي تحظى بالاحترام، والتي تعتبر من المجلات الرائدة في أمريكا في مجال البحوث الطبية . ومن المعروف أن JAMA تحرص قبل القيام بنشر أية مقالة بواسطة الباحثين الأكاديميين على مطالبة مؤلفي الدراسة بالكشف عن أي دعم يتلقونه من المؤسسات الصناعية، وهو ما يحول دون مساهمة العديد من العلماء المبرزين في مجالاتهم في المساهمة بالكتابة في المجلة نتيجة لوجود روابط بينهم وبين هذه المؤسسات بشكل من الأشكال .
وما يؤسف له أن محرري JAMA لم يقوموا بتطبيق أي معايير من تلك المعايير الصارمة على تقرير" بابليك سيتيزين"، ولو كانوا قد فعلوا ذلك، لكانت مجلتهم قد وجهت انتقاداتها لمبالغات التقرير أو قامت حتى برفضه مباشرة .
ويرجع ذلك إلى أن JAMA مثلها في ذلك مثل الكثير من المجلات العلمية المتخصصة، ركزت اهتمامها خلال السنوات الأخيرة على موضوع التضارب في المصالح أكثر من غيره . ومع ذلك فإننا نجد في نهاية المطاف أن تلك المجلات ومنها JAMA لا تمانع في تطبيق معايير أكثر تساهلاً على مجموعة من المجموعات العاملة في مجال حماية المستهلك على الرغم من أن ما تقوله تلك المجموعة يعكس وجهة نظر أيديولوجية -وهي أن رعاية الشركات تفسد البحوث- مقارنة بالمعايير التي تقوم بتطبيقها بالنسبة إلى كبار العلماء والأطباء الذين يتلقون دعماً مالياً من الصناعة .
وفي الحقيقة أن مثل تلك الأقوال كان لها تأثير ناجح للغاية إلى درجة أن القليل من القصص الخبرية الصحفية حول تلك الدراسة أكد الاكتشاف الرئيسي فيها، وهو أن الارتباطات المالية لأي استشاري من FDA لم يكن لها تأثير ذو بال من الناحية الإحصائية على الموافقة على العقاقير الجديدة .
وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من التقدم العلمي الذي تحقق في السنوات الأخيرة قد نبع من الجامعات إلا أن الشركات العاملة في مجال التقنية الحيوية وغيرها من الشركات العاملة في المجالات الأخرى، هي التي حولت ذلك التقدم وما ارتبط به من معرفة إلى منتجات استهلاكية وعقاقير وأجهزة وغيرها من الأشياء التي أثبتت فائدتها للجمهور، كما أن الكثير من نواحي ذلك التقدم كانت، في الوقت ذاته، نتاجاً لجهود علماء وباحثين من الذين تتهمهم بعض الجهات الرقابية مثل "بابليك سيتيزين" بوجود تضارب في المصالح بين أبحاثهم والصناعة .

الهاتف المحمول: مضرّ أم غير مؤذ؟


منذ ظهور الهاتف المحمول في تسعينات القرن الماضي، ظهرت بالمقابل دراسات متضاربة عدة حول تأثير الهواتف المحمولة في الدماغ البشري، كان أحدثها دراسة بريطانية أكدت انه لا يبدو أن استخدام الهاتف الخلوي يزيد إلى حد كبير خطر الإصابة بأورام دماغية .
وقال الباحث الرئيسي الدكتور فرانك دي فويت من جامعة مانشستر إنه وزملاءه استندوا في دراستهم التي نشرت في مجلة "بيوإلكتروماغنيتيكس" إلى بيانات من مكتب الإحصاءات الوطنية للتدقيق في معدلات حالات السرطان الدماغي الجديدة التي شخصت بين ال 1998 و،2007 مقارنة مع تلك بين ال 1990 و2002 يوم ارتفعت نسبة مستخدمي الخلوي من 0 إلى 65% . لكن الدكتور رونالد هربرمان مدير جامعة بيتسبورغ الأمريكية لأبحاث السرطان قال في دراسة أخرى إن الذين يستخدمون الهواتف المحمولة عشر سنوات أو أكثر معرضون لخطر الإصابة بالأورام الدماغية، مشيراً إلى أن احتمال إصابة الأشخاص الذين يستخدمون الهواتف المحمولة بسرطان الدماغ هي ضعف نسبة الآخرين، مؤكداً أن نسبة الإصابة بأورام في عصب السمع لدى هذه الفئة تعدّ مرتفعة مقارنة بمن لا يستخدمون الهواتف المحمولة .
وأوضحت دراسة الدكتور هربرمان أنّ الأشخاص الذين تقلّ أعمارهم عن 20 عاماً معرّضون أكثر من غيرهم لهذه الأخطار بمقدار خمس مرات، كما أنّ جملة من الدراسات الدولية المتعلقة بتهديد الإصابة بسرطان عبر استخدام الهواتف المحمولة، يطلق عليها "إنترفون" لم تخلص بعد إلى زيادة في الإصابات من شأنها أن تكون على علاقة بالهواتف وذلك طيلة السنوات العشر الأولى من ظهورها . أما الباحثون الهولنديون، فقد اكتشفوا أن الاستخدام المتكرر للهواتف المحمولة يؤدي إلي تقليل نشاط المخ والقدرة على التركيز في بعض القضايا بعينها . والأخطر من ذلك أنهم وجدوا أن ظاهرة تقليل نشاط المخ لدى مستخدمي المحمول بكثرة تشبه ما يحدث في المخ لدى مرضي الزهايمر .
وقال الباحثون إن من يستخدمون المحمول بكثرة يقل نشاط المخ لديهم، مثلما يحدث لدى مرضى الزهايمر، وأن نشاط المخ لدى مرضى الزهايمر ينحدر بشدة لكن نشاطه لدى مستخدمي الهواتف النقالة ينخفض لكنه يبقى في الحدود "الطبيعية" . وما زلنا بحاجة ملحة إلى المزيد من الدراسات للوقوف على حقيقة تأثير الهواتف المحمولة في الدماغ البشري .
من جانبهم، توصل الباحثون الفرنسيون إلى أن الأشخاص الذين يستعملون الهاتف الجوال لمدة تتجاوز 15 ساعة شهرياً، أكثر عرضة لخطر الإصابة بأورام المخ التي يمكن أن تؤدي إلى وفاة المصابين بها .
وقد تتبع فريق الباحثين الفرنسيين الملف الطبي لعدد من مستعملي الهواتف الجوالة لمعرفة انعكاساته السلبية على صحتهم، وإلى أي حد تتسبب بظهور أمراض جديدة لديهم . نشرت نتائج الدراسة في صحيفة "دي تاغس تسايتونغ" الألمانية . وتتبع هؤلاء الحالة الصحية ل892 شخصاً سليماً بين عامي 2004 و،2006 وحسب تقييماتهم فإن 235 شخصاً ظهرت لديهم أعراض الإصابة بأورام المخ، بينما ظهرت على 194 شخصاً منهم أعراض الإصابة بالتهاب السحايا، أي التهاب الأغشية الدماغية المغلفة للدماغ والحبل الشوكي .
وما زال السؤال المحير الذي لم تحسمه نتائج الأبحاث والدراسات بعد قائماً: هل الهواتف المحمولة تؤذي أو لا تؤذي صحة الإنسان؟