تحقيق: راندا جرجس
يعاني بعض الأطفال السمنة، التي تعتبر ظاهرة، ويرجع سبب البدانة وزيادة الوزن إلى تناول الأطعمة عالية السعرات الحرارية من دون رقيب، بالإضافة إلى إهمال ممارسة الرياضة للأطفال، أو ربما نتيجة وجود مشاكل في الغدة الدرقية أو في التمثيل الغذائي أو بعض الجينات الوراثية، وفي جميع الحالات تكون البدانة سبباً في عدم استمتاع الطفل بطفولته بشكل طبيعي، كما أن زيادة وزن الطفل تعرضه لمشاكل ومضاعفات تتحول لأمراض تستمر معه حتى بعد البلوغ، فما وسائل تجنب السمنة لدى الأطفال؟
تقول الدكتورة مها درويش استشارية طب الأطفال إن البدانة في مرحلة الطفولة من أهم المشاكل المعقدة التي تواجهنا كأطباء وآباء، ليس فقط كمشكلة في هذه المرحلة العمرية فحسب بل تؤدي إلى مشاكل عديدة في المراهقة والشباب، ومن هذه المشاكل ارتفاع الضغط الشرياني والسكري وغيرها، فإن العديد ممن تظهر عليهم علامات البدانة في طفولتهم تستمر معهم أيضاً عند البلوغ وخاصة إذا كان أحد الوالدين بديناً، ولذلك فإن من أفضل طرق علاج البدانة عند الأطفال وضع برنامج علاجي لكل الأسرة، ولا تشخص السمنة بالميزان فقط ولكن بقياس ما يسمى معدل كتلة الجسم أي الوزن بالنسبة للطول.
أسباب البدانة

وتوضح د. مها أن السبب الرئيسي في زيادة الوزن استهلاك الكثير من السعرات الحرارية عن طريق الغذاء مثل تناول العديد من الوجبات السريعة، الفطائر الحلويات والمشروبات السكرية بما فيها عصير الفاكهة والغازية، ونمط حياة خامل، حيث يميل معظم الأطفال الآن إلى الجلوس لساعات طويلة أمام التلفاز أو ألعاب الفيديو (الهواتف الذكية والشاشات الإلكترونية المسطحة)، ما لا يسمح بحرق السعرات، وبعض الأسباب الأخرى مثل:
} هرمونية، وراثية أو بعض المتلازمات المرضية.
} السمنة العائلية وليست الوراثية حيث نجد العائلة بأكملها تعاني السمنة وذلك بسبب نوع الطعام المستهلك والذي غالباً ما يكون غنياً بالدهون والنشويات.
} السمنة النفسية حيث يميل بعض الأطفال والمراهقين إلى التهام الطعام عند مواجهتهم لبعض الظروف الصعبة فإذا ما كانت لديه مشكلة في المدرسة أو البيت يتجه للمطبخ ويلتهم الطعام الذي غالباً ما يكون غنياً بالسعرات، كما أن بعض المراهقين يحاربون الملل بالطعام.
} في بعض الأحيان يكون الفقر وضعف الموارد المالية سبباً للسمنة، حيث يفضّل بعض الأهل شراء البسكويت والكعك عوضاً عن شراء الأطعمة الصحية كالخضار والفاكهة لغلاء أسعارها في بعض المجتمعات، وغالباً ما تعيش هذه الأسر الفقيرة في بيوت ضيقة بعيدة عن أماكن اللعب أو ممارسة الرياضة.
مضاعفات السمنة

تؤكد د. مها أن زيادة الوزن المفرطة، تسبب الكثير من المشاكل المرضية عند الأطفال ومنها:-
} الإصابة بالسكري من النوع الثاني، ويكون في عمر التسع سنوات في حالات السمنة المفرطة.
} المتلازمة الاستقلابية التي تشمل مرض السكر، ارتفاع الضغط الشرياني، ارتفاع الكوليسترول وشحوم الدم وخاصة عند تجمع الشحوم في البطن، ما يؤدي إلى ترسبه داخل الأوعية الدموية ويسبب تضيق الشرايين وتصلبها فتحدث الجلطات القلبية والسكتات الدماغية في عمر صغير نسبياً.
} الربو القصبي، فالأطفال البدينون أكثر عرضة للإصابة بالربو من غيرهم.
} اضطراب النوم، نوم قلق، توقف أو انقطاع النفس.
} تشحم الكبد غير الكحولي حيث تترسب الدهون على الكبد، وتتأذى الخلايا وتتعطل وظائفه ويحث قصور كامل للكبد.
المضاعفات الاجتماعية والنفسية

توضح د. مها بعض المشاكل الاجتماعية والنفسية التي تسببها زيادة الوزن المفرطة مثل:
} فقدان الثقة بالنفس والشعور بالنقص
} القلق ونقص المهارات الاجتماعية، الانطواء.
} نقص التحصيل الدراسي.
} الاكتئاب.
ولتحديد الحالة إذا كانت بدانة أو زيادة في الوزن وحسب، توضح د. مها أن الطبيب عادة يستخدم مخططات النمو عند الأطفال، كالطول الوزن ومعدل كتلة الجسم) وكذلك يتم عمل تقييم ودراسة تاريخ العائلة المرضي، ومقدار السعرات التي يأكلها الطفل يومياً، النشاط البدني، الأمراض الأخرى إن وجدت، الحالة النفسية للطفل، وفي حال السمنة المفرطة يجب إجراء فحص الدم / الكوليسترول السكر فيتامين D وأحياناً بعض الهرمونات إن لزم الأمر. وتؤكد د. مها أن العلاج يتضمن الحمية الغذائية، وزيادة النشاط البدني، وأحياناً الأدوية وفي حالات خاصة الجراحة ونادراً ما يلجأ إليها عند الأطفال إلا في حالات خاصة عندما تشكل السمنة خطراً على الحياة، ويختلف العلاج باختلاف المرحلة العمرية:
} هناك برامج خاصة بتثبيت الوزن للأطفال فوق السنتين الذين لديهم زيادة في الوزن ولَم يصنفوا بعد من البدناء، أي أن الطفل يزداد طولاً مع المحافظة على وزنه وهكذا مع المراقبة الشهرية.
} بالنسبة للسمنة المفرطة عند الأطفال من عمر 6 إلى 11عاماً، فإنهم يشجعون على تغيير عاداتهم الغذائية بحيث ينقص الوزن ببطء أي بمعدل نصف كيلو غرام بالشهر.
} للأطفال الأكبر عمراً يمكنهم تخفيف الوزن بوتيرة أسرع تصل إلى ثلاثة كيلوغرامات بالشهر الواحد، والأهم من ذلك المحافظة على الوزن المناسب.
وتضيف: تقع مسؤولية شراء وتحضير الطعام على الوالدين، يجب الحد من شراء واستهلاك المشروبات السكرية كعصير الفاكهة والمشروبات الغازية (قيمة غذائية قليلة وسهرات حرارية عالية)، واستبدال البسكويت والكعك، بالخضروات والفواكه، والحد من الوجبات السريعة، وتناول الوجبات بعيداً عن التلفاز أو الهواتف وألعاب الفيديو، وتشجيع الطفل على الرياضة والنشاط البدني، كل هذا يحرق السعرات، يقوي العظام والعضلات، ويحسن نوعية النوم.

نصائح وقائية

وتنصح د.مها ببعض الإرشادات التي تساعد على التخلص من السمنة المفرطة للأطفال ومنها:-
} الاستمرار بالرضاعة الطبيعية لعمر ستة أشهر من عمر الطفل.
} مراجعة الطبيب إذ لاحظت الأم ظهور بوادر للسمنة على طفلها.
} على الأسرة تشجيع الطفل البدين على التقليل من وزنه وتجنب السخرية منه، فالوالدان لهما الدور الرئيسي في مساعدة الطفل ودعمه نفسياً وتشجيعه، وعدم إحراجه أمام الآخرين أو إهانته وتحقيره، ولا تتم مقارنته بأقرانه أو أخوته.
} لا نحاول إنقاض الوجبات ولكن تناول تغذية صحية ناقصة السعرات.
الأعشاب والتوابل

تبين الدكتورة باهي فان دي بور مختص تغذية الأطفال، أن الأطفال المصابين بالبدانة يستمرون حتى يتحولوا إلى بالغين بدناء، ولكن مع التعلم الصحيح والحصول على التغذية المناسبة وممارسة الرياضة، ومن الممكن أن تتعلم الأسرة والأطفال كيف يغيرون نمط تغذيتهم وممارستهم للرياضة، للحد من زيادة الوزن في وقت مبكر، ولذلك يجب إتاحة الفرصة للأطفال في الانطلاق وممارسة بعض الأنشطة مثل لعب كرة القدم وغيرها في الحديقة للحفاظ على نشاطهم، وخاصة في موسم العطلات لتجنب الكسل، مع مراعاة ملاحظة إعطاء الطفل كميات معينة من الطعام، ولا نغفل ملء نصف الطبق على الأقل بالخضروات، وإضافة الأعشاب والتوابل لتحسين طعم الخضروات، وتشجيع الأطفال على اختيار مجموعة متنوعة من الأطباق التي تحوي الفاكهة والسلطة والخضروات، كما ينبغي على الأطفال الصغار ممارسة الأنشطة لمدة 180 دقيقة على الأقل يومياً بغض النظر عن الطقس، وعلينا اتخاذ الحيطة والحذر عند تناول وجبة خفيفة خلال التسوق، والحد من السلوكيات المستقرة مثل مشاهدة التلفزيون أو ألعاب الفيديو لمدة طويلة يعني أن الأطفال يستغرقون وقتاً أطول في الجلوس عنه من الحركة وحرق الطاقة في أماكن اللعب.
الوالدان قدوة الأبناء

وتشير د. باهي إلى أن البدانة في مرحلة الطفولة مسألة صحية خطرة وينبغي عدم تجاهلها، كما يجب التحدث مع المهنيين الصحيين لمعرفة كيفية عدم اكتساب مزيد من الوزن، والحرص على أن تتناول الأسرة جميعها وجبات صحية يومياً مع الأطفال، حيث إن الأبوين هم القدوة الأكثر أهمية وتأثيراً في حياة أطفالهم، كما يجب تشجيعهم على تناول الفواكه والحد من الوجبات الخفيفة كثيفة السعرات الحرارية، وتجنب تناول وجبات الطعام أمام التلفزيون، كما يجب تشجيع الأطفال على التركيز على إشارات الجوع الداخلية والأكل فقط عند الإحساس بالجوع.
وتستكمل: يتعلم الأطفال بشكل مباشر من القدوة وهم: الوالدان، لذا بدلاً من الإلحاح، شارك طفلك في بعض التمارين الرياضية وعلى سبيل المثال أحواض السباحة، واجلب بعض الكرات والألعاب المائية، لتضفي جواً من المرح على الأنشطة حيث سيستمتع الأطفال وجميع أفراد الأسرة وسيحرصون على المشاركة، ويجب إعطاء هذه الأيام أولوية على جدول أيام الأسبوع والالتزام بها، مع حتمية تكراره بحيث يتطلع الأطفال إلى النشاط ويتجاوبون مع الروتين، ولاحقاً ستتحول الأنشطة مثل الألعاب في الحوض أو السباحة إلى عادات ممتعة من الممكن أن يستفيد منها كل أفراد العائلة.

التغذية الصحيحة

عن التغذية السليمة للأطفال تقول د. نور هشام، إن الاهتمام بتغذية الأطفال تعني معرفة كيفية تغذيتهم بالطريقة السليمة، لأن التغذية الصحيحة تلعب دوراً مهماً في تقوية مناعة الطفل وتجعله أقل عرضة للإصابة بالأمراض، وتحسن من نشاطه البدني والذهني، وبالتالي سيتمتعون بصحة جيدة ووزن صحي، ما يؤدي إلى نموهم بطريقة سليمة، أما السلوكيات الخاطئة في تغذية الأطفال فإنها تؤدي إلى إصابتهم بسوء التغذية الذي يعرضهم لفقر الدم وتسوس الأسنان، لذا على جميع الأمهات التنبه إلى سلوكيات أطفالهم الغذائية والاهتمام بتغذيتهم.
إن الطفل لا يحتاج أي أغذية خاصة لينمو بشكل سليم، بل كل ما يحتاج إليه الطفل نفس العناصر والمواد الغذائية اللازمة للكبار، وفي هذا المقال سنذكر بعض الوسائل التي من شأنها أن تساعد على تغذية الطفل.
وتشير د. نور إلى أن الغذاء الصحي يعني التنويع في تناول المأكولات حتى يحصل الطفل على العناصر الغذائية (كالبروتين، الكاربوهيدرات، الدهون، الفيتامينات والمعادن) التي يحتاج إليها للنمو الطبيعي، وأفضل طريقة للتأكد من أن الأطفال يحصلون على ما يحتاجون إليه من مغذيات هي:
} التنويع بالمأكولات المغذية وقليلة الدهون والسكر.
} أن تكون الوجبات الأساسية والخفيفة تابعة للمنهج المطلوب مع تناسب الكميات حسب عمر الأطفال.
} أن يقدّم الطعام على فترات لا تتعدى الـ 3 ساعات من يوم الأطفال.
} تنظيم مواعيد الوجبات الأساسية والخفيفة لتكون لذيذة وتعطي الكميات المناسبة من حصص مجموعة الحليب، اللبن، والجبن، مجموعة اللحوم، الدجاج، السمك، البقوليات والبيض، مجموعة الخضروات، مجموعة الفاكهة؛ مجموعة الخبز، النشويات، الأرز، والمعكرونة.
الأطعمة والفئات العمرية

وتؤكد د. نور أن الأطعمة التي يحتاج إليها الطفل، تختلف تبعاً لاختلاف فئته العمرية، حيث إنّه في كل فترة من فترات حياته يكون جسمه الصغير بحاجة إلى نوع معين من العناصر الغذائية، ومع كل مرة يجتاز فيها إحدى الفئات العمرية، تتطوّر احتياجات جسمه لأنواع جديدة من هذه العناصر الغذائية، لذلك ولكي نستطيع تصنيف العناصر الغذائية التي يحتاج إليها الطفل في كل فترة من فترات حياته، هناك بعض النصائح الغذائية التي يمكن للأم اتباعها للحفاظ على سلامة الطفل: ومنها
} غسل الخضروات والفواكه جيداً
} التنويع في الأطعمة، واستخدام الملح المضاف إليه اليود.
} الامتناع عن إعطاء الطفل السكاكر والحلويات والأطعمة الجاهزة.
} الحرص على أن يتناول الطفل وجبة الإفطار دائماً.
تجنب السمنة لدى الأطفال

وتحذر د.نور من زيادة الوزن المفرطة لأنها تؤدي إلى مشاكل صحية خطرة للطفل مثل تقوسات العظام والشعور بألم المفاصل أو تشوهات في العمود الفقري، والإصابة بأمراض القلب بالإضافة إلى تأخر مرحلة بلوغ والتأثير في حالته النفسية، ولذلك يجب أن يقوم الوالدان بإدخال بعض التعديلات على العادات الغذائية لتجنب سمنة الأطفال مثل:
} الابتعاد عن الأطعمة عالية السعرات الحرارية مثل المقليات والمشروبات الغازية والوجبات السريعة.
} تعود الطفل على تناول ثلاث وجبات يومية حتى يشعر الطفل بالشبع ولا يزيد من تناول الأطعمة عند الإحساس المتكرر بالجوع.
} تشجيع الطفل على تناول الغذاء الصحي مثل الفاكهة والخضروات والطعام المشوي.
} تدريب الطفل على النوم في أوقات منتظمة والاهتمام بممارسة الرياضة المحببة مثل السباحة والاشتراك في الأندية الرياضية.
} أن يبتعد الطفل قدر الإمكان عن المشروبات الغازية ومنتجات العصائر المحلاة، والتي أيضاً تمد الجسم بالكثير من الدهون والسكريات واستبدالها بالماء فهو مكون أساسي لجميع أعضاء وأجهزة الجسم، ويساعد على حرق السعرات الحرارية لهضمها خاصة إذا كان بارداً.
} حث الطفل على تناول الفواكه الطازجة خاصة بين الوجبات فهذا يقلل شعور الطفل بالجوع ويمنعه من الانقضاض على الطعام وتناوله بشراهة.
} تعود الطفل على مضغ الطعام بشكل جيد، ليقل استهلاكه للمزيد من الأكل ويحسن من عملية الهضم ويقلل من كمية الدهون التي تدخل الجسم.
} تحديد مواعيد لمشاهدة التلفزيون واللعب بألعاب الفيديو واستخدام أجهزة الكمبيوتر، لأن الإكثار من استخدامها أحد أسباب السمنة عند الأطفال.
} يعطى للطفل وجبة من المنزل وقت الدراسة في المدرسة، بدلاً من شراء البسكويت والمشروبات الغازية والبطاطس، ولتجنب الشعور بالملل، يفضل مشاركته في اختيار الطعام وتنويعه بشرط أن يكون مطابقاً للمواصفات التي تساعده على التخلص من مشكلة السمنة.
} يجب أن يتابع طبيب متخصص حالة الطفل عن كثب للمساعدة على إيجاد حلول للتخلص من مشكلة السمنة عند الأطفال وذلك لتفادي مشاكل نحن في غنى عنها ربما لا تظهر إلا بعد مرحلة البلوغ.

مؤشرات تنذر بالخطر

كشفت دراسة حديثة أن الإمارات تعد من الدول التي ترتفع فيها نسبة البدانة عند الأطفال والمراهقين، وأكدت أن 40% من الأطفال في الإمارات يعانون زيادة الوزن والسمنة، وبينت أن نسبة زيادة الوزن عند الذكور فوق 15 سنة، 9.66%، بينما الإناث من نفس العمر تزيد على 6.71%، ويعد الوزن زائداً عندما يكون هناك 25 كيلوغراماً فوق الوزن الطبيعي للجسم، بحسب العمر والطول، فيما البدانة تكون مع وجود أكثر من 30 كيلوغراماً عن المعدل الطبيعي للوزن.